المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : _الإمامية


الموالي
04-21-2009, 12:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
================
تصدير
1ـ عقيدتنا في النظر والمعرفة
2ـ عقيدتنا في التقليد بالفروع
3ـ عقيدتنا في االاجتهاد
4ـ عقيدتنا في المجتهد
================
تصدير
حمداً لله وشكراً، وصلاة وسلاماً على محمد خير البشر وآله الهداة.
أمليت هذه (المعتقدات)، وما كان القصد منها إلاّ تسجيل خلاصة ما توصَّلت إليه من
فهم المعتقدات الاسلامية على طريقة آل البيت عليهم السلام.
وقد سجلت هذه الخلاصات مجرّدة عن الدليل والبرهان، ومجردة عن النصوص الواردة عن
الاَئمة فيها على الاَكثر؛ لينتفع بها المبتدئ والمتعلّم والعالم، وأسميتها «عقائد
الشيعة»(1) وغرضي من الشيعة الامامية الاثني عشرية خاصة.
وكان إملاؤها سنة 1363 هـ بدافع إلقائها محاضرات دورية في كلية منتدى النشر
الدينية(2)؛ للاستفادة منها تمهيداً للاَبحاث الكلامية العالية.
____________
(1) وهو الاسم الذي اتّخذه المؤلّف (قدس سره) عنوانا لكتابه في طبعته الاولى.
(2) وهي مؤسسة الشيخ المظفر (قدّس سرّه) التي سمّيت فيما بعد بـ «كلية الفقه» في
النجف الاَشرف، ولم تزل قائمة بعد إلحاقها بالجامعة المستنصرية عام 1970م وبجامعة
الكوفة عام 1987 مع عدّة محاولات لتغيير منهجها التعليمي وسيرها الدراسي ، ثم الغيت
الآن.
================
( 8 )
وفي حينه قد توفقت لإلقاء الكثير منها، وما كنت يومئذ قد أعددتها مؤلَّفاً يُنشر
ويُقرأ، فأُهملت في أوراق مبعثرة شأن كثير من المحاضرات والدروس التي أمليتها في
تلك الظروف، لا سيّما فيما يتعلّق بالعقائد وعلم الكلام.
غير أنّه في هذا العام ـ وبعد مضي ثمان سنوات عليها ـ رغَّب إليَّ الفاضل النبيل
محمد كاظم الكتبي(1)ـ رعاه الله تعالى ـ في تجديد النظر فيها، وجمعها مؤلَّفة في
رسالة مختصرة موصولة الحلقات؛ لغرض نشرها وتعميم الفائدة منها ، ولتدرأ كثيراً من
الطعون التي أُلصقت بالاِمامية، ولا سيّما أنّ بعض كتّاب العصر في مصر وغيرها لا
زالوا مستمرين يحملون بأقلامهم الحملات القاسية على الشيعة ومعتقداتها، جهلاً أو
تجاهلاً بطريقة آل البيت في مسالكهم الدينية، وبهذا قد جمعوا إلى ظلم الحق وإشاعة
الجهل بين قرّاء كتبهم والدعوة إلى تفريق كلمة المسلمين، وإثارة الضغائن في نفوسهم
والاَحقاد في قلوبهم، بل تأليب بعضهم على بعض... ولا يجهل خبير مقدار الحاجة ـ
اليوم خاصّة ـ إلى التقريب بين جماعات المسلمين المختلفة ودفن أحقادهم، إِن لم
نستطع أن نوحِّد صفوفهم وجمعهم تحت راية واحدة.
أقول ذلك وإِني لشاعر ـ مع الاَسف ـ أنّا لا نستطيع أن نصنع شيئاً بهذه المحاولات
مع من جرَّبنا من هؤلاء الكتّاب، كالدكتور أحمد أمين وأضرابه من دعاة التفرقة، فما
زادهم توضيح معتقدات الامامية إلاّ عناداً، وتنبيههم على خطئهم إلاّ لجاجاً.
وما يهمُّنا من هؤلاء وغير هؤلاء أن يستمرّوا على عنادهم مصرِّين، لولا
____________
(1) وهو صاحب المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف الاَشرف، وقد قام بنشر الكتاب
لاَول مرّة على نفقته.
================
( 9 )
خشية أن ينخدع بهم المغفَّلون، فتنطلي عليهم تلك التخرُّصات، وتورِّطهم تلك
التهجّماتُ في إثارة الاَحقاد والحزازات.
ومهما كان الاَمر، فإني في تقديمي هذه الرسالة للنشر أملي أن يكون فيها ما ينفع
الطالب للحق، فأكون قد ساهمت في خدمة اسلامية نافعة، بل خدمة انسانية عامة، فوضعتها
في مقدمة وفصول، ومنه تعالى وحده أستمد التوفيق.
محمَّد رضا المظفر النجف الاَشرف ـ العراق
27 جمادى الآخرة 1370 هـ

================
( 10 )
1 ـ عقيدتنا في النظر والمعرفة

نعتقد: أن الله تعالى لمّا منحنا قوة التفكير، ووهب لنا العقل، أمرنا أن نتفكَّر
في خلقه، وننظر بالتأمل في آثار صنعه، ونتدبر في حكمته واتقان تدبيره في آياته في
الآفاق وفي أنفسنا، قال تعالى: (سَنُرِيهمْ ءايتنَا في الآفاقِ وَفي أنفُسِهِم حتّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنّهُ الحَقُّ)(1).
وقد ذم المقلَّدين لآبائهم بقوله تعالى: (قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألفَينا عَليهِ
آباءَنا أَوَ لَو كانَ آباؤُهُم لا يَعْقِلونَ شَيئاً)(2).
كما ذم من يتبع ظنونه ورجمه بالغيب فقال: (إنْ يَتَّبِعُونَ إلاّ الظنَّ)(3)‌.
وفي الحقيقة انّ الذي نعتقده: إنّ عقولنا هي التي فرضت علينا النظر في الخلق
ومعرفة خالق الكون(4)كما فرضت علينا النظر في دعوى من يدّعي
____________
(1) فصلت 41: 53.
(2) البقرة 2: 170.
(3) الانعام 6: 116.
(4) قد أفاض علماء الاسلام في مسألة النظر التي ترتكز عليها نظرية المعرفة، حيث
أجمع أئمة المسلمين على وجوب معرفة الله تعالى؛ لاَنّها كمال الدين وأول الواجبات،
ويكفينا هنا ما أفاده العلاّمة الحلي (قدّس سره) في شرح الباب الحادي عشر بقوله:
(أجمع العلماء كافة على وجوب معرفة الله تعالى، وصفاته الثبوتية والسلبية، وما يصح
عليه وما يمتنع عنه، والنبوّة، والامامة، والمعاد بالدليل لا بالتقليد)، وممّا دلّ
على أهمية هذا الموضوع كثرة المصنّفات في هذا العلم الشريف عند كافة المسلمين،
وبالامكان حصر الاَدلّة على وجوب النظر والمعرفة في وجوه: ـ
الوجه الاَول:الدليل العقلي : ومؤدّاه دفع الخوف الحاصل الذي يستوجبه العقل لتحقيق

=
================
( 11 )
النبوة وفي معجزته، ولا يصح عندها تقليد الغير في ذلك مهما كان ذلك الغير منزلة
وخطراً.
وما جاء في القرآن الكريم من الحث على التفكير واتّباع العلم والمعرفة فانما جاء
مقرِّراً لهذه الحرية الفطرية في العقول التي تطابقت عليها آراء العقلاء، وجاء
منبِّهاً للنفوس على ما جُبلت عليها من الاستعداد للمعرفة والتفكير، ومفتِّحاً
للاَذهان، وموجِّهاً لها على ما تقتضيه طبيعة العقول(1).
____________
=
الطمأنينة «وعملية البحث والاستدلال ـ حيث تكون ممكنة ـ إن هي إلاّ إنارة استكشافية
للواقع الذي نريد السعي بالعمل على تجنّب مخاطره ونيل منافعه، وذلك لاَن الاستدلال
على المعتقد دافع للخوف، ودفع الخوف واجب عقلي».
الوجه الثاني: الدليل الأخلاقي: وهو دليل أن شكر المنعم واجب، ولا يتم إلا
بالمعرفة، والوجوب هنا من حيث استحقاق الذم عند العقلاء بتركه، ولان الشكر لا بد أن
يتناسب مع حال المشكور، والعقلاء من مختلف المذاهب والاتجاهات يقرون القانون
الأخلاقي، فالبحث والمعرفة واجبان للقيام بهذا الواجب الأخلاقي.
الوجه الثالث: الدليل النقلي: وهو إنما يأتي بعد الأدلة المتقدمة؛ لنستقرئ منه
الدليل الشرعي الذي يفرضه الدين، كما تحكيه مصادر التشريع الاسلامي في الآيات
القرآنية الكريمة، والسنة المطهرة وهو كثيرة.
وبالاضافة إلى ما تقدم من اتجاه علماء المسلمين فان معظم الفلاسفة من غير
المسلمين، وسواء بذلك أكانت أسس البناء المعرفي عندهم مبنية على البديهيات العقلية
أم المعارف التجريبية، فنقطة الالتقاء عندهم: (تحصيل المعرفة بالدليل الصحيح).
انظر: البهادلي الشيخ أحمد: محاضرات في العقيدة الاسلامية: 47 ـ 52.
(1) ومن ذلك قوله تعالى: ( قُل سِيُروا في الاَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ بَدأ
الخَلْقَ ) العنكبوت 29: 20.
وقوله تعالى: ( قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمواتِ والاََرْضِ ) يونس 10: 101.
وقوله تعالى: ( أفَلاَ يَنْظُروُنَ إلى الاِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وإلى الَّسماءِ
كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وإلى الاَرضِ كَيْفَ سُطِحَتْ *
فذَكِّر إنَّمَا أنْتَ مُذكِّرٌ )... الغاشية 88: 17 إلى 21.
=
================
( 12 )
فلا يصح ـ والحال هذه ـ أن يهمل الانسان نفسه في الاُمور الاعتقادية، أو يتّكل على
تقليد المربين، أو أي أشخاص آخرين، بل يجب عليه ـ بحسب الفطرة العقلية المؤيدة
بالنصوص القرآنية ـ أن يفحص ويتأمَّل، وينظر ويتدبَّر في اُصول اعتقاداته(1)المسماة
بأصول الدين التي أهمّها: التوحيد، والنبوة، والاِمامة، والمعاد.
ومن قلد آباءه أو نحوهم في اعتقاد هذه الاَُصول فقد ارتكب شططاً، وزاغ عن الصراط
المستقيم، ولا يكون معذوراً أبداً.
وبالاختصار عندنا هنا ادّعاءان:
الاَول: وجوب النظر والمعرفة في اُصول العقائد، ولا يجوز تقليد الغير فيها.
الثاني: إنّ هذا وجوب عقلي قبل أن يكون وجوباً شرعياً، أي لا يستقى علمه من النصوص
الدينية، وإن كان يصح أن يكون مؤيّداً بها بعد دلالة العقل.
وليس معنى الوجوب العقلي إلاّ إدراك العقل لضرورة المعرفة، ولزوم التفكير
والاجتهاد في اُصول الاعتقادات.
____________
=
وقوله تعالى: ( أو لم يتفكروا في أنفسهم) الروم 30: 8.
قوله تعالى: ( فاعلم أنه لا ءاله إلا الله ) محمد 47: 19.
وقوله تعالى: ( أم اتخذوا من دونه ءالهة قل هاتوا برهنكم ) الانبياء 21: 24.
(1) ليس كلّ ما ذكر في هذه الرسالة هو من أُصول الاعتقادات؛ فإنّ كثيراً من
الاعتقادات المذكورة، كالقضاء والقدر، والرجعة، وغيرهما لا يجب فيها الاعتقاد ولا
النظر، ويجوز الرجوع فيها إلى الغير المعلوم صحة قوله، كالاَنبياء والاَئمّة، وكثير
من الاعتقادات من هذا القبيل كان اعتقادنا فيها مستنداً إلى ما هو المأثور عن
أئمتنا عليهم السلام : من صحيح الاَثر القطعي. (منه قدس سره).
================
( 13 )
2 ـ عقيدتنا في التقليد بالفروع

أمّا فروع الدين ـ وهي أحكام الشريعة المتعلِّقة بالاَعمال ـ فلا يجب فيها النظر
والاجتهاد، بل يجب فيها ـ إذا لم تكن من الضروريّات في الدين الثابتة بالقطع، كوجوب
الصلاة والصوم والزكاة ـ احد أمور ثلاثة:
إمّا أن يجتهد وينظر في أدلة الاَحكام، إذا كان أهلاً لذلك(1).
وإمّا أن يحتاط في أعماله إذا كان يسعه الاحتياط(2).
وإمّا أن يقلِّد المجتهد الجامع للشرائط(3)، بأن يكون من يقلِّده:
____________
(1) الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد، وهو بذل الوسع للقيام بعمل ما، وهو في
اصطلاح فقهائنا: (استنباط الحكم الشرعي من مداركه المقرّرة)، وقد ورد أنّ الاَنسب
في التعبير عنه: (ملكة تحصيل الحجج على الاَحكام الشرعية، أو الوظائف العملية شرعية
أو عقلية)، والمجتهد مطلق ومتجزئ ، فالمجتهد المطلق هو: (الذي يتمكّن من الاستنباط
في جميع أنواع الفروع الفقهية)، والمجتهد المتجزئ هو: (القادر على استنباط الحكم
الشرعي في بعضها دون بعض).
لمراجعة ما يتعلّق بتحديد هذا المصطلح بمفهومه العام أو الخاص، ومعرفة أوجه
الاختلاف والترجيح يراجع: الحجّة محمد تقي الحكيم: الاُصول العامّة للفقه المقارن
من 561 إلى 565، المسائل المنتخبة المطابقة لفتاوى آية الله العظمى السيد السيستاني
ص 9 و 10.
(2) الاحتياط: وهو العمل الذي يتيقّن معه ببراءة الذمة من الواقع المجهول، وهذا هو
الاحتياط المطلق، ويقابله الاحتياط النسبي كالاحتياط بين فتاوى مجتهدين يُعلم
إجمالاً بأعلميّة أحدهم. المصدر السابق ص 10 و14.
(3) التقليد: تطابق العمل مع فتوى المجتهد الذي يكون قوله حجّة في حقه فعلاً مع
إحراز مطابقته لها. والمقلِّد قسمان:
1ـ من ليست له أية معرفة بمدارك الاحكام الشرعية.
2ـ من له حظ من العلم بها ومع ذلك لا يقدر على استنباط. المصدر السابق ص9.

================
( 14 )
عاقلاً، عادلاً «صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر
مولاه»(1).
فمن لم يكن مجتهداً ولا محتاطاً ثم لم يقلِّد المجتهد الجامع للشرائط فجميع
عباداته باطلة لا تُقبل منه، وإن صلّى وصام وتعبَّد طول عمره، إلاّ إذا وافق عمله
رأي من يقلِّده بعد ذلك، وقد أتّفق له أنّ عمله جاء بقصد القربة إلى الله تعالى(2).
____________
(1) تفسير العسكري: 300، الاحتجاج: 2|511 ح337.
(2) أورد العلماء الاَعلام في مقدمة رسائلهم العملية، المتضمنة لفتاواهم في باب
التقليد ما يغني تفصيل هذه المسألة (حيث يجب على كل مكلف لم يبلغ رتبة الاجتهاد أن
يكون في جميع عباداته، ومعاملاته، وسائر أفعاله وتروكه، مقلداً أو محتاطاً، إلاّ أن
يحصل له العلم بأنّه لا يلزم من فعله، أو تركه مخالفة لحكم الزامي ولو مثل حرمة
التشريع، أو يكون الحكم من ضروريات الدين أو المذهب، كما في بعض الواجبات والمحرمات
وكثير من المستحبات والمباحات، ويحصل له العلم الوجداني أو الاطمئنان الحاصل من
المناشيء العقلائية، كالشياع، وإخبار الخبير المطلّع عليها بكونه منها).
انظر: منهاج الصالحين الجزء الأول من فتاوى آية الله العظمى السيد علي الحسيني
السيستاني دام ظله ص9.

================
( 15 )
3 ـ عقيدتنا في الاجتهاد

نعتقد: أنّ الاجتهاد في الاَحكام الفرعية واجب بالوجوب الكفائي على جميع المسلمين
في عصور غيبة الامام(1)، بمعنى أنّه يجب على كلّ
____________
(1) إنّ الاِمام محمدً المهدي ابن الامام الحسن العسكري عليهما السلام ـ وهو خاتمة
الاَئمة الاثني عشر ـ كانت له غيبتان:
الاَولـى: تسمـى بالـغيبة الصغرى: ابتدأت في السنة التي توفّي فيها والده الامام
العسكري عليه السلام عام 260 هـ، وانتهت عام 329 هـ وكان له فيها سفراء أربعة هم:
أولاً: عثمان بن سعيد العمري الاسدي، وقد كان وكيلاً للامام الهادي، ثم للاِمام
العسكري، ثم للامام محمد المهدي عليهم السلام.
ثـانياً: مـحمد بـن عثـمان بن سعيد العمري الاسدي، حيث قام بأمر السفارة بعد وفاة
أبيه مدّة تقارب الاَربعين عاماً حتى وفاته عام 305 هـ.
ثالثاً: الحسين بن روح، حيث قام بأعباء السفارة المقدّسة منذ وفاة محمد بن عثمان
العمري حتى وفاته عام 326 هـ.
رابعاً: علي بن محمد السمري، وهو آخر السفراء الاَربعة، وقد قام بسفارته لمدّة
ثلاث سنوات انتهت بوفاته في 15 شعبان 329 هـ.
والمعروف أنّ هؤلاء السفراء الاَربعة دفنوا بأجمعهم ـ بعد وفاتهم ـ في مدينة
بغداد، ومشاهدهم معلومة مشهورة إلى يومنا الحاضر.
والثانية: الغيبة الكبرى: ابتدأت بتاريخ 15 شعبان 329 هـ بوفاة السفير الرابع،
الذي قال عندما سئل عمن يخلفه بهذا الاَمر: (لله أمر هو بالغه) وفيه بيان لما أعلمه
به الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه ببداية الغيبة الكبرى المستمرة إلى يومنا
هذا، حيث اصبحت نيابة الاِمام في عصر غيبته موكولة إلى المجتهد الجامع للشرائط
المبسوطة في كتب الفقه.
وفي ضوء ما سبق من تعريف الاجتهاد نجد أنّ عملية الاستنباط التي تعني (تحديد
الموقف العملي تجاه الشريعة تحديداً استدلالياً) وتأتي ضرورة الاجتهاد لبداهة أنّ
الانسان ـ بحكم تبعيته للشريعة المقدّسة، ووجوب امتثال أحكامها ـ ملزم بتحديد موقفه
العملي منها، ولمّا لم تكن أحكام الشريعة ـ غالباً ـ من البداهة والوضوح بدرجة تغني
عن إقامة
=
================
( 16 )
مسلم في كلّ عصر. ولكن إذا نهض به من به الغنى والكفاية سقط عن باقي المسلمين،
ويكتفون بمن تصدّى لتحصيله وحصل على رتبة الاجتهاد وهو جامع للشرائط، فيقلِّدونه،
ويرجعون إليه في فروع دينهم.
ففي كلّ عصر يجب أن ينظر المسلمون إلى أنفسهم، فإنْ وجدوا من بينهم من تبرَّع
بنفسه، وحصل على رتبة الاجتهاد ـ التي لا ينالها إلاّ ذو حظ عظيم ـ وكان جامعاً
للشرائط التي تؤهّله للتقليد، اكتفوا به وقلّدوه، ورجعوا إليه في معرفة أحكام
دينهم.
وإن لم يجدوا من له هذه المنزلة وجب عليهم أن يحصِّل كل واحد رتبة الاجتهاد، أو
يهيؤا من بينهم من يتفرَّغ لنيل هذه المرتبة، حيث يتعذَّر عليهم جميعاً السعي لهذا
الاَمر أو يتعسَّر.
ولا يجوز لهم أن يقلِّدوا من مات من المجتهدين(1).
____________
=
الدليل، فليس من المعقول أن يحرم الناس جميعاً تحديد الموقف العملي تحديداً
استدلالياً، ويحجر عليهم النظر في الاَدلّة التي تحدّد موقفهم تجاه الشريعة، فعملية
الاستنباط إذن ليست جائزة فحسب، بل من الضروري أن تمارس، وهذه الضرورة تنبع من دافع
تبعية الانسان للشريعة، والنزاع في ذلك على مستوى النزاع في البديهيات، وقد مرّت ـ
كلمة الاجتهاد بمصطلحات عديدة في تاريخها بحيث ألقت ظلال تلك المصطلحات عليها،
وأصبحت مثاراً للاختلاف نتيجة الغموض والتشويش، ولم تستقر في مدلولها اليوم حتى
تجاوزت مراحل من التطورات في مفهوم اصطلاحها.
انظر: المعالم الجديدة للاصول: السيد الشهيد الصدر (قدس سره): 23 وما بعدها.
وللمزيد من الاطلاع على ما يخص الغيبة راجع تاريخ الغيبة الصغرى للسيد محمد الصدر:
395 الفصل الثالث (السفراء الأربعة حياتهم ونشاطهم).
(1) تقليد المجتهد الميت قسمان:
1 ـ ابتدائي.
2 ـ بقائي.
والابتدائي: هو أن يقلد المكلف مجتهداً ميتاً من دون أن يسبق منه تقليده حال
حياته.
=
================
( 17 )
والاجتهاد هو: النظر في الاَدلّة الشرعية لتحصيل معرفة الاَحكام الفرعية التي جاء
بها سيِّد المرسَلين صلّى الله عليه وآله، وهي لا تتبدَّل، ولا تتغيَّر بتغيّر
الزمان والاَحوال «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم
القيامة»(1).
والاَدلّة الشرعية هي: الكتاب الكريم، والسنَّة، والاجماع، والعقل، على التفصيل
المذكور في كتب اُصول الفقه.
وتحصيل رتبة الاجتهاد تحتاج إلى كثير من المعارف والعلوم التي لا تتهيّأ إلاّ لمن
جد واجتهد، وفرَّغ نفسه، وبذل وسعه لتحصيلها(2).
____________
=
وهذا لا يجوز، ولو كان الميت أعلم من المجتهدين الأحياء.
والبقائي: هو أن يقلد مجتهداً معيناً شطراً من حياته ويبقى على تقليد ذلك المجتهد
بعد موته. وهذا يجوز إذا كان المجتهد الميت أعلم من الأحياء أو إذا لم يعلم ـ ولو
إجمالاً ـ بمخالفة فتوى المجتهد الميت لفتوى الحي في المسائل التي هو في معرض
الابتلاء بها .
ولزيادة الاطلاع، راجع: العروة الوثقى: 1/ 17 ـ 18، المسائل المنتخبة للسيد
السيستاني: 13 مسألة (12، 13، 14).
(1) الكافي: 1|58 ح19، المحاسن: 1|420 ح963.
(2) فيما يحتاج إليه المجتهد من العلوم، تسعة؛ ثلاثة من العلوم الاَدبية: وهي:
الاَول: علم اللغة، والثاني: علم الصرف، والثالث: علم النحو.
وثلاثة من المعقولات: وهي: الاول: علم الاصول، والثاني: علم الكلام، والثالث: علم
المنطق.
وثلاثة من المنقولات: وهي: الاول: علم الاصول، والثاني: علم الكلام، والثالث: علم
المنطق.
وثلاثة من المنقولات: وهي: الاَول: العلم بتفسير آيات الاَحكام في القرآن الكريم،
والثاني: العلم بالاَحاديث المتعلّقة بالاَحكام، والثالث: العلم بأحوال الرواة في
الجرح والتعديل للمزيد من التفاصيل راجع: الوافية في اُصول الفقه للفاضل التوني:
250 ـ 290.
القرآن والعقيدة للسيد مسلم حمود الحلي: 248 ـ 252.

================
( 18 )
4 ـ عقيدتنا في المجتهد

وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط: إنّه نائب للامام عليه السلام في حال غيبته
(1) ، وهو الحاكم والرئيس المطلق، وله ما للإمام في الفضل في القضايا والحكومة بين
الناس، والراد عليه راد على الامام، والراد على الامام راد على الله تعالى، وهو على
حدّ الشرك بالله، كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليهم السلام (2).
فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعاً في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة(3)،
فيُرجع إليه في الحكم والفصل والقضاء، وذلك من مختصّاته؛
____________
(1) راجع الهامش (6) من الصفحة 241 (عقيدتنا في الاجتهاد).
(2) الاحتجاج: 2|260 ح232، الكافي: 1|54 ح10.
(3) (ولاية الفقيه) تعبير عن السلطة الشرعية والسيادة القانونية للمجتهد الجامع
للشرائط، الذي يعتبر امتداداً لرسالة الامامة، ولم تكن من مستحدثات العصور الحديثة،
بل إنّ تأصيل هذه النظرية يمتد بجذوره إلى عصر صدر الاسلام وعصور الاَئمّة
المعصومين عليهم السلام، وهي في امتدادها للامامة تماثلها من حيث الوظائف العامة
وتفترق عنها بما يتّصل بالنص الخاص على كل فقيهٍ فقيه، وبالعصمة الموقوفة على النبي
صلّى الله عليه وآله والاَئمّة الاثني عشر من بعده عليهم السلام، حيث أنّ العصمة
والنص من المختصات للمعصومين عليهم السلام.
ولا بد من معرفة الحكمة من هذه الولاية العامة في عصر الغيبة، فهي تعني قيام الحجة
على الناس، والقيادة الزمنية لرعاية مصالح العباد وإدارة شؤونهم في ضوء ما تقتضيه
أحكام الشريعة الاسلامية، ومن غاياتها السامية حفظ الاَحكام الشرعية؛ ذلكم أنّ مهمة
التشريع في الاسلام منقطعة إليه تعالى فهي مهمة الخالق القدير، وأمّا المسائل
الشرعية في مختلف جوانب الحياة ـ وخاصة في الحوادث الواقعة ـ فلا تعدو كونها مصاديق
لاَحكام سبق الانتهاء من صدورها وابلاغها من قبل النبي الاَكرم صلّى الله عليه وآله
في حياته.. وروي عن
=
================
( 19 )
لايجوز لاَحد أن يتولاّها دونه، إلاّ بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات
إلاّ بأمره وحكمه(1).
ويرجع إليه أيضاً في الاَموال التي هي من حقوق الامام ومختصّاته (2).
____________
=
الاِمام المهدي عجل الله تعالى فرجه: «وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى
رواة أحاديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم».
لاحظ: الامامة حتى ولاية الفقه: 51.
(1) يدل عليه رواية عمر بن حنظلة؛ حيث قال: «سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجلين
من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحل
ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له
فإنّما يأخذه سحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له؛ لاَنّه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر
الله أن يكفر به، قال الله تعالى: ( يُريدُونَ أنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ
وَقَدْ أُمِرُوا أن يكْفُروا به ) قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن
قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً؛ فإنّي قد
جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانّما استخف بحكم الله، وعلينا
ردّ والرّاد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله».
راجع الوسائل: 27|136 ح33416، الكافي: 1|54 ح10، الاحتجاج: 2|260 ح232، تهذيب
الاحكام: 6|218 ح514 و301 ح 845، والآية: النساء 4: 60.
(2) ويقصد بالاَموال: الزكاة والخمس:
الزكاة: وهي من ضروريات الدين. وقد ورد في جملة من الاَخبار أنّ مانع الزكاة كافر،
وأنّ من لا زكاة له لا صلاة له. ووجوبها في تسعة أشياء هي:
1 ـ الاَنعام الثلاثة: أ ـ الابل. ب ـ البقر. جـ ـ الغنم.
2ـ النقدين: أ ـ الذهب. ب ـ الفضة.
3ـ الغلات االاربع: أ ـ الحنطة. ب ـ الشعير. جـ ـ التمر د ـ الزبيب.‎
وهي تؤخذ في كل عام من هذه التسعة بنسب، وبشروط مذكورة في محالّها، ولا تجب في غير
هذه التسعة، إلاّ أنّها تستحب في مال التجارة والخيل وما تنبت الاَرض من الحبوب
وغيرها. وتُصرف هذه الاَموال على ثمانية أصناف هي: 1 ـ الفقير 2 ـ المسكين 3ـ
العاملين عليها 4ـ المؤلفة قلوبهم 5ـ الرقاب 6ـ الغارمين 7ـ سبيل الله ـ وهو جميع
سبل الخير، وقيل خصوص ما فيه مصلحة عامة ـ 8 ـ ابن السبيل ـ وهو المسافر الذي نفدت
=
================
( 20 )
وهذه المنزلة أو الرئاسة العامّة أعطاها الاِمام عليه السلام للمجتهد الجامع
للشرائط؛ ليكون نائباً عنه في حال الغيبة، ولذلك يسمّى «نائب الاِمام».
____________
=
نفقة، أو تلفت راحلته بحيث لا يقدر على الذهاب إلى وطنه ـ وإن كان غنياً، ولا شيء
من أحكام الزكاة عند الامامية إلا وهو موافق لمذهب من المذاهب الأربعة المعروفة.
ولزيادة الاطلاع، راجع: العروة الوثقى: 2/ 87 ـ 134، المسائل المنتخبة للسيد
السيستاني: 213 ـ 233، اصل الشيعة واصولها ـ الطبعة المحققة لمؤسسة الامام علي عليه
السلام ـ : 243.
الخمس: وهو عند الامامية حق فرضه الله تعالى لآل محمد صلى الله عليه وآله عوض
الصدقة التي حرمها عليهم من الزكاة. والأصل فيه قوله تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم
من شيءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) الأنفال 8: 41. وهو يجب في سبعة اشياء:
1ـ الغنائم المأخوذة من الكفار من أهل الحرب بمقاتلتهم بإذن الإمام.
2ـ المعادن، من الذهب والفضة والرصاص وما شابهها.
3ـ الكنز.
4ـ الغوص أي إخراج الجواهر من البحر.
5ـ المال الحلال المخلوط باحرام على وجه لا يتميز مع الجهل بصاحبه وبمقداره.
6ـ الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم.
7ـ ما يفضل عن مؤونة السنة ومؤونة العيال من ارباح التجا
رات والمكاسب.
ويقسم على ستة أقسام: 1ـ لله 2ـ للنبي 3ـ للامام. وهذه الاسهم الثلاثة مختصة
بالامام المهدي المنتظر عجل الله فرجه. 4ـ الأيتام .5ـ المساكين. 6ـ أبناء السبيل.
وللمزيد من التوضيح راجع العروة الوثقى: 2/ 170 ـ 199، المسائل المنتخبة للسيد
السيستاني 239 ـ 251، أصل الشيعة واصولها: 245 وكافة كتب الفقه والرسائل العملية.


الفصل الاَول
الاِلهيات
================
عقيدتنا في الله تعالى
عقيدتنا في التوحيد
عقيدتنا في صفاته تعالى
عقيدتنا بالعدل
عقيدتنا في التكليف
عقيدتنا في القضاء والقدر
عقيدتنا في البداء
عقيدتنا في أحكام الدين

================
( 23 )
5 ـ عقيدتنا في الله تعالى

نعتقد: أنّ الله تعالى واحد احد ليس كمثله شيء، قديم لم يزل ولا يزال، هو الاَوّل
والآخر، عليم، حكيم، عادل، حي، قادر، غني، سميع، بصير. ولا يوصف بما تُوصف به
المخلوقات؛ فليس هو بجسم ولا صورة، وليس جوهراً ولا عرضاً، وليس له ثقل أو خفة، ولا
حركة أو سكون، ولا مكان ولا زمان، ولا يشار إليه (1) ؟. كما لا ندَّ له، ولا شبه،
ولا ضدّ، ولا صاحبة له ولا ولد، ولا شريك، ولم يكن له كفواً أحد، لا تدركه الاَبصار
وهو يدرك الاَبصار.
ومن قال بالتشبيه في خلقه، بأن صوَّر له وجهاً ويداً وعيناً، أو أنّه ينزل إلى
السماء الدنيا، أو أنّه يظهر إلى أهل الجنة كالقمر، أو نحو ذلك (2) ، فانّه
____________
(1) روي عن الامام علي عليه السلام قوله في جواب ذعلب: «لم أكن بالذي اعبد رباً لم
أره» ثم أردف قائلاً في وصف الله تعالى: «ويلك لم تره العيون بمشاهدة الاَبصار ولكن
رأته القلوب بحقائق الايمان. ويلك يا ذعلب، إنّ ربي لا يوصف بالبعد ولا بالحركة ولا
بالسكون ولا بالقيام قيام انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللّطافة لا يوصف
باللّطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة
لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسّة، قائل
لا باللّفظ، هو في الاَشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كل شيء
فلا يقال شيء فوقه، وأمام كل شيء فلا يقال له أمام، داخل في الاَشياء لا كشيء في
شيء داخل، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج».
التوحيد للصدوق: 304 ـ باب حديث ذعلب ـ ، أمالي الصدوق: 280 المجلس الخامس
والخمسون، بحار الاَنوار: 4|27.
(2) كقول الكرامية (إنّه تعالى في جهة فوق)!!
=
================
( 24 )
____________

=
راجع: الفرق بين الفرق: 131، الملل والنحل: 1/ 99، وكذلك الأشاعرة في الإبانة في
اصول الديانة: 36 ـ 55، وكذلك الوهابية رسالة العقيدة الحموية لإبن تيمية: 1/ 429،
الهدية السنية : 97، والرسالة الخامسة منها لعبد اللطيف حفيد محمد بن عبدالوهاب.
وكذلك القول بأنه تعالى يتحد مع أبدان العارفين! كما حكم الصوفية قال العارف
البلجرامي في كتابه «سبحة المرجان»:
انما الخلق المظهر الباري * * * هو في كل جزئه ساري
وقال الآخر منهم:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا * * * نحن روحان حللنا بدنا
ويراجع ديوان الشيخ ابن الفارض، كما في قصيدته التائية الكبرى المسماة بنظم السلوك
ومطلعها:
سقتني حميا الحب راحة مقلتي * * * وكأسي محيا من عن الحسن جلت
وقصيدته اليائية، مطلعها:
سائق الأضعان يطوي البيد طي * * * منعما عرج على كثبان طي
ورسائل الشيخ عطار وغيرها كثير.
ذكر العلامة الحلي معقبا على هذه الخرافات بقوله: (فانظرو إلى هؤلاء المشايخ الذين
يتبركون بمشاهدهم كيف اعتقادهم في ربهم، وتجويزهم تارة الحلول واخرى الاتحاد،
وعبادتهم الرقص والتصفيق والغناء) إلى أن قال: (ولقد شاهدت جماعة من الصوفية في
حضرة مولانا الحسين عليه السلام وقد صلوا المغرب سوى شخص واحد منهم كان جالسا لم
يصل، ثم صلوا بعد ساعة العشاء سوى ذلك الشخص، فسألت بعضهم عن ترك صلاة ذلك الشخص،
فقال: وما حاجة هذا إلى الصلاة وقد وصل؟ أيجوز ان يجعل بينه وبين الله حاجباً؟
فقلت: لا فقال: الصلاة حاجب بين العبد والرب) نهج الحق: 58.
يراجع: مناقب العارفين للافالكي، وأسرار التوحيد: 186، والأنوار في كشف الاسرار
للشيخ روزبهان البقلي، والمجلد الثاني من احياء العلوم للغزالي.

================
( 25 )
بمنزلة الكافر به، جاهل بحقيقة الخالق المنزَّه عن النقص، بل كل ما ميّزناه
بأوهامنا في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلنا مردود إلينا ـ على حد تعبير الامام
الباقر عليه السلام(1)ـ وما أجلّه من تعبير حكيم! وما أبعده من مرمى علمي دقيق!
وكذلك يلحق بالكافر من قال: إنّه يتراءى لخلقه يوم القيامة(2)، وإن
____________
(1) انظر بحار الاَنوار: 69|293 ح23، المحجة البيضاء: 1|219.
(2) حيث حكم الاَشاعرة بأنّ الله تعالى يتراءى لخلقه. راجع: الابانة في أصول
الديانة لاَبي الحسن الاَشعري: 5 و6، الملل والنحل: 1|85 إلى 94، وحاشية الكستلي
المطبوع في هامش شرح العقائد للتفتازاني: 70، اللوامع الالهية: 82 و98.
ويضيف البغدادي: (وأجمع أهل السنة على أنّ الله تعالى يكون مرئياً للمؤمنين في
الآخرة، وقالوا بجواز رؤيته في كل حال ولكل حي من طريق العقل، ووجوب رؤيته للمؤمنين
خاصة في الآخرة من طريق الخبر). الفرق بين الفرق: 335 ـ 336.
وباستثناء المجسّمة الذين زعموا أنّ أهل المحشر كافة سيرونه ـ تعالى عن ذلك ـ يوم
القيامة نصب أعينهم باتصال اشعّتها بجسمه، ينظرون إليه لا يمارون كما لا يمارون في
الشمس والقمر ليس دونهما سحاب.. فإنّ محل النزاع منحصر في أنّ رؤية الباري تعالى هل
هي ممكنة مع تنزيهه؟ أم هي مع التنزيه ممتنعة مستحيلة؟ فالاَشاعرة ذهبوا إلى الاَول
وذهبنا نحن ـ تبعاً لائمتنا عليهم السلام ـ إلى الثاني.
راجع ـ للتفصيل: كتاب كلمة حول الرؤية للاِمام السيد عبد الحسين شرف الدين؛ فقد
أوفى الغرض بمناقشة هذه المسألة واستعراضها باسلوب رصين.
هذا كله بالاضافة إلى ما ورد من الاَحاديث ـ المزعومة ـ التي ذكرت بأن الله خلق
آدم على صورته، وأنّ له جوارح مشخصة، كالاَصابع والساق والقدم، وأنّ في ساقه علامة
يعرف بها، وأنّه يضع قدمه في جهنّم يوم القيامة لتكف عن النهم فتقول: قط! قط!، وأنّ
الرسول صلّى الله عليه وآله يراه ـ سبحانه ـ فيقع ساجداً، وأنّ الله يهبط يوم
القيامة إلى العباد ليقضي بينهم، وأنّ المسلمين يرون ربّهم يوم القيامة كما يرون
القمر لا يضامون في رؤيته. وغيرها الكثير؛ لاحظ: صحيح البخاري: 8|62، 9|156، وصحيح
مسلم: 4|2183 وغيرها، سنن ابن ماجه: 1|64، مسند أحمد: 2|264 وغيرها، الموطأ: 1|214
ح30، أصل الشيعة وأصولها ـ مقدمة المحقّق ـ هامش ص 24.

================
( 26 )
نفى عنه التشبيه بالجسم لقلقة في اللسان؛ فان أمثال هؤلاء المدّعين جمدوا على ظواهر
الاَلفاظ في القرآن الكريم أو الحديث، وأنكروا عقولهم وتركوها وراء ظهورهم. فلم
يستطيعوا أن يتصرَّفوا بالظواهر حسبما يقتضيه النظر والدليل وقواعد الاستعارة
والمجاز.

================
( 27 )
6 ـ عقيدتنا في التوحيد

ونعتقد: بأنّه يجب توحيد الله تعالى من جميع الجهات، فكما يجب توحيده في الذات
ونعتقد بأنّه واحد في ذاته ووجوب وجوده، كذلك يجب ـ ثانياً ـ توحيده في الصفات،
وذلك بالاعتقاد بأنّ صفاته عين ذاته ـ كما سيأتي بيان ذلك ـ وبالاعتقاد بأنه لا شبه
له في صفاته الذاتية؛ فهو في العلم والقدرة لا نظير له، وفي الخلق والرزق لا شريك
له، وفي كلّ كمال لا ندَّ له.
وكذلك يجب ـ ثالثاً ـ توحيده في العبادة؛ فلا تجوز عبادة غيره بوجه من الوجوه،
وكذا إشراكه في العبادة في أيّ نوع من أنواع العبادة؛ واجبة أو غير واجبة، في
الصلاة وغيرها من العبادات.
ومن أشرك في العبادة غيره فهو مشرك، كمن يرائي في عبادته ويتقرَّب إلى غير الله
تعالى، وحكمه حكم من يعبد الاَصنام والاَوثان، لا فرق بينهما(1).
____________
(1) يذكر الشيخ المظفر (قدس سره) في محاضراته الفلسفية قوله: (في بحثنا الالهي نخطو
خطوات ونجتاز مراحل:
1 ـ المرحلة الاولى: في إثبات أصل واجب الوجود.
2 ـ المرحلة الثانية: بعد ثبوت أصل واجب الوجود لا بدّ أن يكون هو صرف الوجود.
3 ـ المرحلة الثالثة: بعد ثبوت المرحلتين ننتقل إلى وحدانيته؛ لاَنّه إذا ثبت أنّه
صرف الوجود فلا بد أن يكون واحداً؛ لاَنّ صرف الشيء لا بدّ أن يكون واحداً، وإلاّ
لم يكن صرف الشيء، وإذا كان عارياً من كل حد فلا يعقل أن يتعدّد؛ لاَنّ الاَشياء
إنّما تتمايز بالحدود.
فالتوحيد لا ينحصر في الاعتقاد بوحدة واجب الوجود وأنه صرف الوجود، بل هو تعالى
واحد في خلقه وفيضه، فكل الاَشياء من فيضه وتجليات لنوره).
ثم يذكر الشيخ ( قدس سره ) برهانا للقدماء على التوحيد، وملخصه: ( العالم واحد فلا
=
================
( 28 )

أمّا زيارة القبور وإقامة المآتم، فليست هي من نوع التقرُّب إلى غير الله تعالى في
العبادة ـ كما توهّمه بعض من يريد الطعن في طريقة الامامية، غفلة عن حقيقة الحال
فيها(1)ـ بل هي من نوع التقرُّب إلى الله تعالى
____________

=
بد أن يكون الخالق واحدا؛ فهناك تلازم بين وحدة الخالق ووحدة المخلوق ـ وهو العالم
ـ بحيث لو فرض وجود عالمين لفرض وجود إلهين اثنين، وهو مقولة: الواحد لا يصدر عنه
إلا الواحد.
ثم يشير عند شرحه لخطبة التوحيد المشهورة للامام علي عليه السلام عند قوله عليه
السلام: «وكمال توحيده الاخلاص له»: والفكرة العامية للاخلاص هو الاخلاص بالعبادة،
ولكن هذا المعنى لا يترتب على ما قبله، ولا ينسجم مع ما بعده؛ فالاخلاص يعني تنزيه
من كل النقائص، ومن كل شيء يقدح في كونه واجب الوجود، فهو أعم من الاخلاص في العمل
والعبادة، فالتوحيد لا يكون توحيداً حقيقياً إلا إذا وحدته من جميع الجهات في ذاته
وصفاته وأفعاله وعبادته أيضاً، فالاخلاص له يعني التوحيد من جميع الجهات، وتنزيهه
عن الشريك من جميع النواحي .. إلى آخره).
يراجع: الفلسفة الاسلامية؛ محاضرات الشيخ المظفر (قدس سره) على طلاب كلية الفقه في
النجف الاشرف، الدرس العاشر: 91، والدرس الحادي عشر: 93، والدرس الرابع عشر: 103.
(1) وفي هذه العبارة التي ذكرها المصنف (قدس سره) إشارة إلى الشبهة التي أثارها بعض
خصوم الشيعة حول زيارة القبور وأشاعوا انّها محرّمة. واعتمدوا في ذلك على الحديث
النبوي الذي نقله النسائي في سننه، ولفظه «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها
المساجد والسرج»: 4|95. ونقله أيضاً بنفس اللفظ: كنز العمال: 16|388 ح45039. وذكره
أيضاً ابن ماجه في سننه، ولكن بلفظ مختلف هو: «لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
زوّارت القبور»: 1|502 باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور، ح1574 و 1575 ،
1576. ولا يخفى ما في متن الحديثين من تفاوت واضطراب؛ فلفظ زائرات يختلف عن زوّارت
ـ بصيغه المبالغة ـ وكذلك عدم ورود الزيادة التي ذكرها النسائي اضافة إلى ذلك، ذكر
هذا الحديث كل من محمد ناصر الدين الاَلباني في: سلسلة الاَحاديث الضعيفة: 1|258
ح225، وكذلك ابن عدي في: الكامل في الضعفاء: 5|1698 بدون ذكر الزيادة الموجودة في
سنن النسائي.
=
================
( 29 )
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
____________

=
هذا من ناحية المتن، أما بالنسبة إلى السند، ففي سند هذا الحديث: عبدالوارث بن
سعيد وأبو صالح ـ على رواية النسائي وراوية ابن ماجه الاولى ـ وعبدالله بن عثمان
وعبدالرحمن بن بهمان ـ على رواية ابن ماجه الثانية ـ وهؤلاء يمكن الاطلاع على
احوالهم مما يلي: ـ
1ـ عبدالوارث بن سعيد: قال عنه ابن حبان: كان قدرياً. وقال ابن أبي خيثمة: وكان
يرمى بالقدر. وقال الساجي: كان قدرياً ذم لبدعته، وقال ابن معين: كان يرى القدر
ويظهره. ذكر ذلك في تهذيب التهذيب: 6/ 391 ـ 392.
2 ـ أبو صالح: وهو مردد بين ميزان البصري وبين باذام مولى ام هاني. والمرجح عند
أهل الرجال والحديث أنه باذام. وباذام هذا قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: 1/ 364 ـ
365 أنه قال فيه أحمد: كان ابن مهدي قد ترك حديثه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا
يحتج به. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: ولم أعلم أحداً من المتقدمين رضيه.
وقال زكريا بن أبي زائدة، كان الشعبي يمر بأبي صالح فيأخذ باذنه فيهزها ويقول: ويلك
تفسر القرآن وأنت لا تحفظ القرآن، وقال ابن المديني عن القطان عن الثوري: قال
الكلبي قال لي أبو صالح: كلما حدثتك كذب. ونقل ابن الجوزي عن الازدي أنه قال: كذاب.
هذا ما ذكره تهذيب التهذيب. أما في سلسلة الأحاديث الضعيفة فبعد أن ذكر الحديث ورجح
أن أبو صالح هذا هو باذام قال: (وأبو صالح هذا مولى ام هانئ بنت أبي طالب، واسمه
باذان ويقال: باذام. وهو ضعيف عند جمهور النقاد ولم يوثقه أحد إلا العجلي وحده. بل
كذبه اسماعيل بن أبي خالد والأزدي، ووصمه بعضهم بالتدليس وقال الحافظ في «التقريب»:
ضعيف مدلس. وهو ضعيف عند ابن الملقن وعبد الحق الأشبيلي). سلسلة الأحاديث الضعيفة:
1/ 258.
3ـ عبدالله بن عثمان: قال النسائي: ثقة، وقال مرة: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان
يخطئ‎. وقال عبدالله بن الدورقي عن ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية. وقال: ابن خثيم
ليس بالقوي .. علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث. ذكره تهذيب التهذيب:
تهذيب التهذيب: 6/ 135.
4ـ عبدالرحمن بن بهمان: وهذا قال فيه ابن المديني: لا نعرفه. كما نقله عنه في
تهذيب التهذيب: 6/ 135.
هذا هو حال سند هذا الحديث وحال متنه، ويضاف إلى ذلك أنه معارض بأخبار أخر
=
================

الموالي
04-21-2009, 12:52 AM
30 )
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
____________

=
كثيرة أحسن منه متناً وأقوى سنداً؛ فقد جاء من الأحاديث التي تحث على زيارة قبر
النبي العديد العديد منها ما في كنز العمال: 15/ 651 ح 42582 ـ 42584، وكذا في جزئه
الخامس / 135 ح 12368 ـ 12373، وكذلك ما جاء في السنن الكبرى للبيهقي: 5/ 245 باب
زيارة قبر النبي، وأما في زياره القبور بصورة عامة فلا حظ: كنز العمال: 15/ 646
الفصل الثالث في زيارة القبور وفي الاحاديث من 42551 إلى 42558، والسنن الكبرى
للبيهقي: 5/ 249 باب زيارة القبور التي في بقيع الغرقد، وباب زيارة قبور الشهداء.
وكذا في سنن ابن ماجه: 1/ 500 باب ما جاء في زيارة القبور. وغير هذه المصادر الكثير
الكثير مما يقصر هذا الموضع عن عدها. ولو سلمنا صحة الحديث السابق ـ جدلا ـ
ومقاومته ومعارضته لكل هذه الأحاديث الصحيحة القوية، فان هذا الأحاديث يمكن أن
نعتبرها ناسخة له إذا لا حظنا قوله صلى الله عليه وآله: «كنت نهيتكم عن زيارة
القبور فزوروها؛ فإنها تذكركم بالاخرة» ذكره كنز العمال: 15/ 646 ح 42555 وغيره
كثير. هذا كله بالاضافة إلى إجماع المسلمين على جواز زيارة القبور، بل رجحانها
واستحبابها، وقيام السيرة على ذلك منذ عهد النبي، فقد ذكر البيهقي في سننه الكبرى
وغيره بأنه كلما كانت ليلة عائشة من رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج من آخر
الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وآتاكم ما توعدون» ذكره في
الجزء: 5/ 249، وذكر النسائي في سننه، كتاب الجنائز، باب زيارة قبور المشركين، وأبو
داود في سننه في زيارة القبور ح3234، وبن ماجه في سننه في باب ما جاء في زيارة قبور
المشركين: أن النبي صلى الله علي وآله زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. بالاضافة
إلى الاحاديث المتكاثرة التي تذكر بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم عائشة
الدعاء عند زيارة القبور. ولو تجاوزنا هذا كله ورجعنا إلى الحديث الذي اعتمدوه ولا
حظناه ـ بغض النظر عن كل ما قدمناه ـ فلن نجد فيه الدلالة التي ذكروها بل قد استفاد
الكثير من المحدثين والفقهاء كراهة زيارة القبور بالنسبة للنساء فقط لا غير، وإليك
نص العبارة التي ذكرها البيهقي في سننه الكبرى: 4/ 78، فقد قال: (إن فاطمة بنت
النبي صلى الله عليه وآله كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده ... ثم
قال: وقد روينا في الحديث الثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله
مر بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال: «اتقي الله واصبري» وليس في الخبر أنه نهاها عن
الخروج إلى المقبرة، وفي ذلك تقوية لما روينا
=
================
( 31 )
بالاعمال الصالحة، كالتقرُّب إليه بعيادة المريض، وتشييع الجنائز، وزيارة الاخوان
في الدين، ومواساة الفقير.
فإنّ عيادة المريض ـ مثلاً ـ في نفسها عمل صالح يتقرَّب به العبد إلى الله تعالى،
وليس هو تقرُّباً إلى المريض يوجب أن يجعل عمله عبادة لغير الله تعالى أو الشرك في
عبادته، وكذلك باقي أمثال هذه الاَعمال الصالحة التي منها: زيارة القبور، وإقامة
المآتم، وتشييع الجنائز، وزيارة الاِخوان.
أما كون زيارة القبور وإقامة المآتم من الاَعمال الصالحة الشرعية، فذلك يثبت في
علم الفقه، وليس هنا موضع إثباته(1).
____________

=
عن عائشة إلا أن اصح ما روي ذلك صريحا حديث أم عطية وما يوافقه من الأخبار، فلو
تنزهن عن اتباع الجنائز والخروج إلى المقابر وزيارة القبور كان أبرأ لدينهن). انتهى
كلامه. وحديث أم عطية هو: قالت نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا: السنن
الكبرى: 4/ 77 قال: وأخرجه مسلم في الصحيح من وجهين عن هشام. سنن ابن ماجه 1/ 502 ح
1577.
ولزيادة الاطلاع والتوضيح راجع: كشف الارتياب في اتباع محمد بن عبد الوهاب، للسيد
محسن الأمين العاملي.
(1) وعلى سبيل المثال نذكر ما ورد في السنة والسيرة للنبي وآله صلّى الله عليه وآله
حول رجحان أمثال هذه الاَعمال الصالحة؛ منها ما رواه البخاري في صحيحه في باب فضائل
أصحاب النبي: 4|204 عنه صلّى الله عليه وآله: «على مثل جعفر فلتبك البواكي» وكذلك
ندب النبي إلى البكاء على حمزة فقال: «على مثل حمزة فلتبك البواكي» راجع: طبقات ابن
سعد: 2|44، ومغازي الواقدي: 1|317، ومسند أحمد: 2|40. وذكر النسائي في سننه، كتاب
الجنائز باب زيارة قبور المشركين، وابو داود في سننه في زيارة القبور ح 3234 وابن
ماجه في سننه في باب ما جاء في زيارة قبور المشركين: أنّ النبي صلّى الله عليه وآله
زار قبر اُمه فبكى وأبكى من حوله.
وكذلك صح بكاء الزهراء عليها السلام على أبيها وبكاء زينب بنت أمير المؤمنين عليه
السلام على أخويها الحسن والحسين عليهما السلام، وقال الامام الصادق عليه السلام:
«قال الحسين عليه السلام: أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى» كامل الزيارات:
108.
وقال عليه السلام: «نفس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة، وكتمان سرنا جهاد
=
================
( 32 )
والغرض؛ إنّ إقامة هذه الاَعمال ليست من نوع الشرك في العبادة ـ كما يتوهمه البعض
ـ وليس المقصود منها عبادة الاَئمّة، وإنّما المقصود منها إحياء أمرهم، وتجديد
ذكرهم، وتعظيم شعائر الله فيهم (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإنَّها مِنْ
تَقْوى القُلُوب)(1).
فكلّ هذه أعمال صالحة ثبت من الشرع إستحبابها، فإذا جاء الانسان متقرِّباً بها إلى
الله تعالى، طالباً مرضاته، استحقّ الثواب منه، ونال جزاءه.
____________

=
في سبيل الله». بحار الأنوار: 44/ 278 ح4.
وقال الامام الرضا (عليه السلام): «من تذكر مصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم
تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» أمالي
الصدوق: المجلس السابع عشر.
(1) الحج 22: 32.

================
( 33 )
7 ـ عقيدتنا في صفاته تعالى

ونعتقد: أنّ من صفاته تعالى الثبوتية الحقيقية الكمالية التي تسمى بصفات الجمال
والكمال ـ كالعلم، والقدرة، والغنى، والاِرادة، والحياة ـ هي كلّها عين ذاته، ليست
هي صفات زائدة عليها، وليس وجودها إلاّ وجود الذات؛ فقدرته من حيث الوجود حياته،
وحياته قدرته، بل هو قادر من حيث هو حي، وحي من حيث هو قادر، لا إثنينيه في صفاته
ووجودها، وهكذا الحال في سائر صفاته الكماليّة.
نعم، هي مختلفة في معانيها ومفاهيمها، لا في حقائقها ووجوداتها؛ لاَنّه لو كانت
مختلفة في الوجود ـ وهي بحسب الفرض قديمة وواجبة كالذات ـ للزم تعدّد واجب الوجود،
ولانثلمت الوحدة الحقيقية، وهذا ما ينافي عقيدة التوحيد(1).
وأمّا الصفات الثبوتية الاضافية ـ كالخالقية، والرازقية، والتقدّم، والعلّية ـ فهي
ترجع في حقيقتها إلى صفة واحدة حقيقية، وهي القيّومية
____________
(1) يشير الشيخ المظفر (قدس سره) إلى هذا المعنى بقوله: ـ
(أمّا القول بالاعتبار الذي معناه أنّ الصفات لا واقع خارجي لها، فنحن نعتبر هذا
الكلام غير صحيح؛ لاَنّ الله تعالى وصف نفسه بأنّه عليم حكيم قادر . هو محض القدرة
والعلم والحياة، لا أنّه ذات لها القدرة والعلم والحياة، ولكن هذه الصفات متغايرة
بالمفهوم الذي يفهم منه لدى الذهن؛ لاَنّها ألفاظ غير مترادفة، فتغايرها اعتباري
مفهومي فقط، فلا تغاير في الصفات وجوداً، ولا من حيث الحيثيّة، ولا تعددها اعتباري
كما ذكروا، بل هناك تعدد مفهومي يحكي عن حقيقة هو كلّ الحقائق. قال أمير المؤمنين
عليه السلام: «فمن وصفه فقد عدّه..» أليس هو قد وصفه بصفات كثيرة؟! ولكنه يعني أنّ
من وصفه بصفات زائدة على الذات، بحيث يوجب تعدد الذات وتعدّد القدماء، ويخرج عن
كونه واجب الوجود).
الفلسفة الاسلامية محاضرات الشيخ المظفر (قدس سره): 102.

================
( 34 )

لمخلوقاته، وهي صفة واحدة تنتزع منها عدّة صفات باعتبار اختلاف الآثار والملاحظات.
وأمّا الصفات السلبية التي تسمّى بصفات الجلال، فهي ترجع جميعها إلى سلب واحد هو
سلب الامكان عنه؛ فإنّ سلب الاِمكان لازمه ـ بل معناه ـ سلب الجسمية والصورة
والحركة والسكون، والثقل والخفّة، وما إلى ذلك، بل سلب كل نقص.
ثمّ إنّ مرجع سلب الاِمكان ـ في الحقيقة ـ إلى وجوب الوجود، ووجوب الوجود من
الصفات الثبوتية الكمالية، فترجع الصفات الجلالية (السلبية) آخر الاَمر إلى الصفات
الكمالية (الثبوتية) ، والله تعالى واحد من جميع الجهات، لا تكثّر في ذاته
المقدّسة، ولا تركيب في حقيقة الواحد الصمد.
ولا ينقضي العجب من قول من يذهب إلى رجوع الصفات الثبوتية إلى الصفات السلبية؛
لمّا عزّ عليه أن يفهم كيف أنّ صفاته عين ذاته، فتخيّل أنّ الصفات الثبوتية ترجع
إلى السلب؛ ليطمئنّ إلى القول بوحدة الذات وعدم تكثّرها، فوقع بما هو أسوأ؛ إذ جعل
الذات التي هي عين الوجود، ومحض الوجود، والفاقدة لكلّ نقص وجهة إمكان، جعلها عين
العدم ومحض السلب(1)، أعاذنا الله من شطحات الاَوهام، وزلاّت الاَقلام.
____________
(1) في كلام المصنّف (قدس سرّه) إشارة إلى ما ذهب إليه الشيخ الصدوق (قدس سرّه) في
قوله: (كلّما وصفنا الله تعالى من صفات ذاته فإنّما نريد بكل صفة منها نفي ضدّها
عنه عز وجل. ونقول: لم يزل الله عز وجل سميعاً بصيراً عليماً حكيماً قادراً عزيزاً
حياً قيوماً واحداً قديماً. وهذه صفات ذاته.
ولا نقول: إنّه عز وجل لم يزل خلاّقاً فاعلاً شائياً مريداً راضياً ساخطاً رازقاً
وهاباً متكلماً؛ لاَنّ هذه صفات أفعاله، وهي محدثة لا يجوز أن يقال: لم يزل الله
موصوفاً بها) الاعتقادات: 8.
=
================
( 35 )
كما لا ينقضي العجب من قول من يذهب إلى أنّ صفاته الثبوتية زائدة على ذاته؛ فقال
بتعدّد القدماء، ووجود الشركاء لواجب الوجود، أو قال بتركيبه ـ تعالى عن ذلك ـ(1).
____________

=
الاعتقادات: 8.
ولا يخفى أن هذا يعني أنه يمكن انطباق عدة سلوب على موضوع واحد؛ فمعنى الحياة هو
عدم الموت، ومعنى العلم عدم الجهل، ومعنى القدرة عدم العجز.. وهكذا، وهذه اسلوب
يمكن انطباقها على ذات واحدة، فيتبين أن الله ـ تعالى عن ذلك ـ هو مجموعة اسلوب،
ويعقب الشيخ المظفر على ذلك بقوله: (نحن نحترم الشيخ الصدوق ـ كمحدث وناقل ـ فاذا
تحدث عن مثل هذه الامور فلا نقبل آراءه. فنحن نريد أن نقول: أنه لا تعدد حقيقي، ولا
من حيث الحيثية، ولا تعدد اعتباري؛ لأن التعدد من ناحية الاعتبار ومن ناحية الحيثية
لا قيمة له، فالفكرة التي نؤمن بها يعرب عنها الفارابي بقوله : (هو عالم من حيث
قادر ، وقادر من حيث هو حي ، وحي من حيث هو عالم ..) إن هذه الصفات ليس فيها تعدد
حقيقي ولا تعدد حيثية ؛ لان جهة العلم ليست غير جهة الحياة ، فالتعدد الذي نتصوره
هو بالمفهوم الذي يحكي عن حقيقة ، وتعددها عين وحدتها . نحن نقول : انه عالم من حيث
هو قادر ، وهو حيثيات واقعية ولكن لا بمعنى ان لها وجودات مستقلة ، بل بمعنى ان نفس
الوجود هو بنفسه العلم وهو بنفسه القدرة لا ان القدرة موجودة بذلك الوجود لتكون
حيثية مقابلة لتلك الحيثية ، فهذه الصفات وان كانت حقيقة وواقعية ففي عين تعددها هي
واحدة ، وتعدد هذه المفاهيم يكشف عن معنى حقيقي ولكن ليس هناك تعدد حتى بالمعنى ،
وهذا العمق في هذا القول هو الذي غاب عن أفكار أصحاب الاقوال السابقة ) لاحظ :
الفلسفة الاسلامية للمظفر : 101 ـ 102. راجع : تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد 41،
وكذلك : مطارح النظر في شرح الباب الحادي عشر للشيخ صفي الدين الطريحي : الفصل
الثالث : 131ـ 162.
(1) نجد أنّ الشيخ المؤلف قد اوضح هذه المسألة من حيث أنّ الاَقوال فيها كما يلي: ـ
1 ـ الصفات زائدة على الذات، ولكنها لازمة لها أي واجبة الوجود أيضاً، هذا قول
الاَشاعرة.
2 ـ قول الكرامية بأنّ الصفات زائدة على الذات ولكنها غير لازمة لها؛ لاَنّها لو
كانت
=
================
( 36 )
قال مولانا أمير المؤمنين وسيِّد الموحّدين عليه السلام: «وكمالُ الاِِخلاصِ لهُ
نفيُ الصِفاتِ عنهُ؛ لشهادةِ كلِّ صفةٍ أَنَّها غيرُ المَوصوفِ، وشهادةِ كلِّ
موصوفٍ أنَّه غيرُ الصفةِ، فمَنْ وَصَفَ الله سبحانه فَقدْ قرنَهُ، ومَنْ قرنَهُ
فَقدْ ثنّاهُ، ومَنْ ثنّاهُ فَقدْ جزّأَهُ، ومن جزّأَهُ فَقدْ جَهِلَهُ...»(1).
____________

=
لازمة لكانت واجبة الوجود وحينئذٍ يلزم تعدد واجب الوجود.
3ـ وقول بأن وجود الصفات نفس وجود الذات أي متحدة بالوجود مع تعدد الحيثية، كتعدد
حيثيات صفات الانسان ، فالنفس في وحدتها كل القوى أي وجودا.
4ـ وقول بأن هذا التعدد اعتباري ، أي ليس هناك تعدد في الوجود ولا في الحيثيات ،
وإنما يعتبرها الذهن ، ومنشأ الاعتبار هو نفس الذات .
فهذه الأقوال جميعا لا نرتضيها ؛ لأنها كلها غير صحيحة ، وإنما نشأ الخلط في دقة
النظر في فهم عينية الصفات للذات .
الأشاعرة لم يفهموا معنى عينية الصفات للذات وظنوا أن معنى ذلك أنه تعالى لا صفات
له ، والكرامية قالوا : إن الصفات لو كانت ملازمة للزم تعدد واجب الوجود ،
والقائلون بتعدد الحيثيات قالوا بأن هذا لا يثلم عقيدة التوحيد ، والقائلون
بالاعتبار قالوا : إن القول بتعدد الحيثيات غير معقول .
الفلسفة الاسلامية للشيخ المظفر : 100.
(1) نهج البلاغة: الخطبة 1 (من كلام له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء
والاَرض)، الاحتجاج: 2|473 ح113.



الفصل الثاني
النبوّة
================
عقيدتنا في النبوّة
النبوّة لطف
عقيدتنا في معجزة الأنبياء
عقيدتنا في عصمة الأنبياء
عقيدتنا في صفات النبي
عقيدتنا في الأنبياء وكتبهم
عقيدتنا في الاِسلام
عقيدتنا في مشرّع الاِسلام
عقيدتنا في القرآن الكريم
طريقة إثبات الاِسلام والشرائع السابقة
================
( 55 )
13 ـ عقيدتنا في النبوّة

نعتقد: أنّ النبوّة وظيفة إلهية، وسفارة ربّانية، يجعلها الله تعالى لمن ينتجبه
ويختاره من عباده الصالحين وأوليائه الكاملين في إنسانيّتهم، فيرسلهم إلى سائر
الناس لغاية إرشادهم إلى ما فيه منافعهم ومصالحهم في الدنيا والآخرة، ولغرض تنزيههم
وتزكيتهم من درن مساوئ الأخلاق ومفاسد العادات، وتعليمهم الحكمة والمعرفة، وبيان
طرق السعادة والخير؛ لتبلغ الانسانية كمالها اللائق بها، فترتفع إلى درجاتها
الرفيعة في الدارين دار الدنيا ودار الآخرة.
ونعتقد: أنّ قاعدة اللطف ـ على ما سيأتي معناها ـ توجب أن يبعث الخالق ـ اللطيف
بعباده ـ رسله لهداية البشر، وأداء الرسالة الاصلاحية، وليكونوا سفراء الله
وخلفاءه.
كما نعتقد: أنّه تعالى لم يجعل للناس حق تعيين النبي أو ترشيحه أو انتخابه، وليس
لهم الخيرة في ذلك، بل أمر كلّ ذلك بيده تعالى؛ لاَنّه (أَعلمُ حَيثُ يَجعَلُ
رِسَالَتهُ)(1).
وليس لهم أن يتحكَّموا فيمن يرسله هادياً ومبشِّراً ونذيراً، ولا أن يتحكَّموا
فيما جاء به من أحكام وسنن وشريعة(2).
____________
(1) الاَنعام 6: 124.
(2) وقد قال الامام علي عليه السلام في خطبة له يصف فيها ابتداء خلق السماء والارض
وخلق آدم عليه السلام، ويذكر الانبياء وبعثتهم فيقول:
«واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم
لمّا بدّل أكثرُخلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقّه، واتخذوا الانداد معه، واجتالتهم
الشياطين

================
( 56 )
____________

=
عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث إليهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم
ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن
العقول، ويروهم آيات المقدرة؛ من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش
تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم، ولم يخل الله سبحانه
خلقه من نبي مرسل، أو كتاب منزل، أو حجّة لازمة أو محجّة قائمة، رسل لا تقصر بهم
قلّة عددهم ولا كثرة المكذبين لهم، من سابق سُمّي له مَن بعده، أو غابر عرّفه من
قبله. على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلفت الأبناء، إلى أن بعث
الله سبحانه محمّداً رسول الله صلّى الله عليه وآله لاِنجاز عدتِه، وإتمام نبوّته،
مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريماً ميلاده، وأهل الأرض يومئذٍ مللّ
متفرّقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة؛ بين مشبّه لله بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو
مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكان من الجهالة...». راجع: نهج
البلاغة: الخطبة: 1، وغيرها من الخطب أيضاً ففيها إشارات وذكر حول بعثة الأنبياء
عليهم السلام.

================
( 57 )
14 ـ النبوّة لطف

إنّ الانسان مخلوق غريب الأطوار، معقَّد التركيب في تكوينه وفي طبيعته وفي نفسيّته
وفي عقله، بل في شخصية كلّ فرد من أفراده، وقد اجتمعت فيه نوازع الفساد من جهة،
وبواعث الخير والصلاح من جهة أخرى(1).
فمن جهة قد جُبل على العواطف والغرائز من حب النفس، والهوى، والاثرة، وإطاعة
الشهوات، وفطر على حب التغلُّب، والاستطالة، والاستيلاء على ما سواه، والتكالب على
الحياة الدنيا وزخارفها ومتاعها كما قال تعالى: (إنَّ الاِنسنَ لَفِي
خُسْرٍ)(2)و(إنَّ الاِنسنَ لَيَطْغَى * أَنْ رآهُ استَغنَى)(3) و(إنَّ النَّفْس
لاَمَّارَةٌ بالسُّوءِ)(4)إلى غير ذلك من الآيات المصرِّحة والمشيرة إلى ما جُبلت
عليه النفس الاِنسانية من العواطف والشهوات.
ومن الجهة الثانية، خلق الله تعالى فيه عقلاً هادياً يرشده إلى الصلاح ومواطن
الخير، وضميراً وازعاً يردعه عن المنكرات والظلم ويؤنبه على فعل ما هو قبيح ومذموم.
ولا يزال الخصام الداخلي في النفس الانسانية مستعراً بين العاطفة والعقل، فمن
يتغلَّب عقله على عاطفته كان من الأعلين مقاماً، والراشدين
____________
(1) فقد قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّيها* فَألْهَمهَا فُجُورَهَا وتَقْوَيها)
الشمس 91: 7 ـ 8.
(2) العصر 103: 2.
(3) العلق 96: 6، 7.
(4) يوسف 12: 53.

================
( 58)
في انسانيتهم، والكاملين في روحانيتهم، ومن تقهره عاطفته كان من الأخسرين منزلة،
والمتردّين إنسانية، والمنحدرين إلى رتبة البهائم.
واشد هذين المتخاصمين مراساً على النفس هي العاطفة وجنودها، فلذلك تجد أكثر الناس
منغمسين في الضلالة، ومبتعدين عن الهداية، بإطاعة الشهوات، وتلبية نداء العواطف
(وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ ولو حَرَصتَ بِمُؤمِنيِنَ)(1).
على أنّ الانسان لقصوره، وعدم اطّلاعه على جميع الحقائق، وأسرار الأشياء المحيطة
به، والمنبثقة من نفسه، لا يستطيع أن يعرف بنفسه كل ما يضرّه وينفعه، ولا كل ما
يسعده ويشقيه؛ لا فيما يتعلَّق بخاصّة نفسه، ولا فيما يتعلّق بالنوع الانساني
ومجتمعه ومحيطه، بل لا يزال جاهلاً بنفسه، ويزيد جهلاً، أو ادراكاً لجهله بنفسه،
كلّما تقدّم العلم عنده بالأشياء الطبيعية، والكائنات المادية.
وعلى هذا، فالانسان في أشدّ الحاجة ليبلغ درجات السعادة إلى من ينصب له الطريق
اللاحب، والنهج الواضح إلى الرشاد واتّباع الهدى؛ لتقوى بذلك جنود العقل، حتى يتمكن
من التغلب على خصمه اللَّدود اللجوج عندما يهيىء الانسان نفسه لدخول المعركة
الفاصلة بين العقل والعاطفة.
وأكثر ما تشتد حاجته إلى من يأخذ بيده إلى الخير والصلاح عندما تخادعه العاطفة
وتراوغه ـ وكثيراً ما تفعل ـ فتزيِّن له أعماله، وتحسّن لنفسه انحرافاتها؛ إذ تريه
ما هو حسن قبيحاً، أو ما هو قبيح حسناً، وتلبس على العقل طريقه إلى الصلاح والسعادة
والنعيم، في وقت ليس له تلك المعرفة التي تميّز له كلّ ما هو حسن ونافع، وكل ما هو
قبيح وضار. وكل واحد منّا
____________
(1) يوسف 12: 103.

================
( 59 )
صريع لهذه المعركة من حيث يدري ولا يدري، إلاّ من عصمه الله.
ولأجل هذا يعسر على الانسان المتمدِّن المثقَّف ـ فضلاً عن الوحشي الجاهل ـ أن يصل
بنفسه إلى جميع طرق الخير والصلاح، ومعرفة جميع ما ينفعه ويضرّه في دنياه وآخرته،
فيما يتعلَّق بخاصة نفسه أو بمجتمعه ومحيطه، مهما تعاضد مع غيره من أبناء نوعه ممّن
هو على شاكلته وتكاشف معهم، ومهما أقام بالاشتراك معهم المؤتمرات والمجالس
والاستشارات.
فوجب أن يبعث الله تعالى في الناس رحمة لهم ولطفاً بهم (رَسُولاً مِنهُم يَتلوُا
عَلَيهِم ءايتِه وَيُزكِّيهِم ويُعلّمُهُمُ الكِتبَ والحكمَةَ)(1)وينذرهم عمّا فيه
فسادهم، ويبشّرهم بما فيه صلاحهم وسعادتهم.
وإنّما كان اللطف من الله تعالى واجباً، فلأنّ اللطف بالعباد من كماله المطلق، وهو
اللطيف بعباده الجواد الكريم، فإذا كان المحل قابلاً ومستعدّاً لفيض الجود واللطف،
فإنّه تعالى لا بد أن يفيض لطفه؛ إذ لا بخل في ساحة رحمته، ولا نقص في جوده وكرمه.
وليس معنى الوجوب هنا أنّ أحداً يأمره بذلك فيجب عليه أن يطيع تعالى عن ذلك، بل
معنى الوجوب في ذلك هو كمعنى الوجوب في قولك: إنّه واجب الوجود (أي اللزوم واستحالة
الانفكاك).
____________
(1) الجمعة 62: 2.

================
( 60 )
15 ـ عقيدتنا في معجزة الأنبياء

نعتقد: أنّه تعالى إذ ينصّب لخلقه هادياً ورسولاً لا بدّ أن يعرِّفهم بشخصه،
ويرشدهم إليه بالخصوص على وجه التعيين، وذلك منحصر بأن ينصب على رسالته دليلاً
وحجّة يقيمها لهم(1)؛ إتماماً للطف، واستكمالاً للرحمة.
وذلك الدليل لا بدّ أن يكون من نوع لا يصدر إلا من خالق الكائنات، ومدبر الموجودات
ـ أي فوق مستوى مقدور البشر ـ فيجريه على يدي ذلك الرسول الهادي؛ ليكون معرِّفاً
به، ومرشداً إليه، وذلك الدليل هو المسمى بالمعجز أو المعجزة؛ لاَنّه يكون على وجه
يعجز البشر عن مجاراته والاِتيان بمثله.
وكما أنّه لا بد للنبي من معجزة يظهر بها للناس لاِقامة الحجة عليهم، فلا بد أن
تكون تلك المعجزة ظاهرة الاِعجاز بين الناس على وجه يعجز عنها العلماء وأهل الفن في
وقته، فضلاً عن غيرهم من سائر الناس، مع اقتران تلك المعجزة بدعوى النبوّة منه؛
لتكون دليلاً على مدَّعاه، وحجة بين يديه، فإذا عجز عنها أمثال أولئك عُلم أنّها
فوق مقدور البشر، وخارقة للعادة، فيُعلم أنّ صاحبها فوق مستوى البشر، بما له من ذلك
الاتصال الروحي بمدبِّر الكائنات.
وإذا تمَّ ذلك لشخص، من ظهورالمعجز الخارق للعادة، وادّعى ـ مع
____________
(1) قال تعالى: ( رُسلاً مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرِينَ لِئلا يَكُونَ للِنَّاسِ عَلَى
اللهِ حُجَّةً بَعْدَ الرُّسُلِ وكَانَ اللهُ عَزِيزَاً حَكِيماً) النساء 4: 165.

================
( 61 )
ذلك ـ النبوة والرسالة، يكون حينئذٍ موضعاً لتصديق الناس بدعواه، والايمان برسالته،
والخضوع لقوله وأمره، فيؤمن به من يؤمن، ويكفر به من يكفر.
ولأجل هذا وجدنا أنّ معجزة كل نبي تناسب ما يشتهر في عصره من العلوم والفنون،
فكانت معجزة موسى عليه السلام هي العصا التي تلقف السحر وما يأفكون؛ إذ كان السحر
في عصره فنّاً شائعاً، فلما جاءَت العصا بطل ما كانوا يعملون، وعلموا أنّها فوق
مقدروهم، وأعلى من فنّهم، وأنّها ممّا يعجز عن مثله البشر، ويتضاءل عندها الفن
والعلم(1).
وكذلك كانت معجزة عيسى عليه السلام، وهي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى؛ إذ
جاءَت في وقت كان فن الطب هو السائد بين الناس، وفيه علماء وأطباء لهم المكانة
العليا، فعجز علمهم عن مجاراة ما جاء به عيسى عليه السلام(2).
ومعجزة نبينا الخالدة هي القرآن الكريم، المعجز ببلاغته وفصاحته، في وقت كان فن
البلاغة معروفاً. وكان البلغاء هم المقدَّمين عند الناس بحسن بيانهم وسموِّ
فصاحتهم، فجاء القرآن كالصاعقة؛ أذلّهم وأدهشهم، وأفهمهم أنّهم لا قِبَل لهم به،
فخنعوا له مهطعين عندما عجزوا عن مجاراته،
____________
(1) قال تعالى: (وَأَوحَيْنا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإذا هِيَ تَلْقَفُ
مَا يَأفِكُونَ * فَوقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلوُنَ * فَغُلِبوُا
هُنَالِكَ وانْقَلَبوُا صَاغِريِنَ * وأُلقِيَ السَحَرَةُ سـجدين) الاعراف 7: 117 ـ
120.
(2) قال تعالى: ( وَرَسُولاً إلى بَنيِ إِسرءِيلَ أَنِّي قد جئتُكُم بِآيةٍ مِنْ
رَبِّكُمْ أنِّي أخَلُقُ لَكُمْ مِنَ الْطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنفخُ فِيهِ
فَيَكُونُ طيراً بإذنِ الله وأُبْريءُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيي الموتَى بإذْن
الله وأُنَبِّئُكُمْ بما تأكلُونَ وما تَدَّخِرون في بيوتِكُمْ إنّ في ذلِكَ لآيةً
لَكُمْ إنّ كُنتُمْ مُؤمِنينَ ) آل عمران 3: 49.

================

الموالي
04-21-2009, 12:54 AM
================
( 62 )
وقصروا عن اللحاق بغبارة»(1).
ويدلّ على عجزهم أنّه تحدّاهم بإتيان عشر سور مثله فلم يقدروا(2)، ثمّ تحدّاهم أن
يأتوا بسورة من مثله(3)فنكصوا، ولمّا علمنا عجزهم عن مجاراته ـ مع تحدّيه لهم،
وعلمنا لجوءهم إلى المقاومة بالسنان دون اللسان ـ علمنا أنّ القرآن من نوع المعجز،
وقد جاء به محمد بن عبدالله مقروناً بدعوى الرسالة. فعلمنا أنّه رسول الله، جاء
بالحق وصدق به، صلى الله عليه وآله.
____________
(1) قال تعالى: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الاِنْسُ والجِنُّ عَلَى أَنْ يَأتُوا
بِمِثْلِ هذا القُرءانَ لاَ يَأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
ظَهِيراً) الاسراء 17: 88.
(2) (أَمْ يَقُولُونَ افتريهُ قُلْ فَأتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيتٍ
وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صدِقِيْنَ) هود 11:
13.
(3) قال تعالى أيضاً: (وَإنْ كُنْتُم في رَيْبٍ مِمَّا نزَّلْنَا على عَبْدِنَا
فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وادعوا شهُدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ
كُنْتُم صَدِقِينَ) البقرة 2: 23.
وقال تعالى أيضاً : (أَمْ يَقُولُونَ افْتريهُ قُلْ فَأتُوا بِسُوَرَةٍ مِثْلِهِ
وَادْعُوا مَنْ استَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَـدقِينَ) يونس 10:
38.

================
( 63 )
16 ـ عقيدتنا في عصمة الأنبياء

ونعتقد: أنّ الأنبياء معصومون قاطبة، وكذلك الأئمة عليهم جميعاً التحيات الزاكيات،
وخالَفَنا في ذلك بعض المسلمين، فلم يوجبوا العصمة في الأنبياء(1)ِ، فضلاً عن
الأئمة.
والعصمة: هي التنزُّه عن الذنوب والمعاصي صغائرها وكبائرها، وعن الخطأ
والنسيان(2)، وإن لم يمتنع عقلاً على النبي أن يصدر منه ذلك، بل
____________
(1) انظر: شرح المقاصد: 5|50، الغنية في اصول الدين: 161.
وذكر السيد المرتضى في تنزيه الانبياء ما نصه: (وجوّز أصحاب الحديث والحشوية على
الأنبياء الكبائر قبل النبوّة، ومنهم من جوّزها في حال النبوّة سوى الكذب فيما
يتعلّق بأداء الشريعة، ومنهم من جوّزها كذلك ـ في حال النبوّة ـ بشرط الاستسرار دون
الاِعلان، ومنهم من جوّزها على الأحوال كلها. ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر
والصغائر المستخفة من الانبياء عليهم السلام قبل النبوّة وفي حالها، وجوّزت في
الحالين وقوع ما لا يستخف من الصغائر، ثم اختلفوا؛ فمنهم من جوّز على النبي صلّى
الله عليه وآله الاِقدام على المعصية الصغيرة على سبيل العمد، ومنهم من منع ذلك
وقال إنّهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوباً بل على سبيل التأويل، وحكي
عن النظام وجعفر بن مبشر وجماعة ممّن تبعهما أنّ ذنوبهم لا تكون إلاّ على سبيل
السهو والغفلة، وأنّهم مؤاخذون بذلك وإن كان موضوعاً عن أممهم بقوّة معرفتهم وعلوّ
مرتبتهم). تنزيه الأنبياء: المقدمة.
(2) معنى العصمة في أصل اللغة هي: ما اعتصم به الانسان من الشيء؛ كأنّه امتنع به عن
الوقوع فيما يكره، وليس هو جنساً من أجناس الفعل، ومنه قولهم: إعتصم فلان بالجبل،
إذا امتنع به، ومنه سميت العصم، وهي وعول الجبال؛ لامتناعها بها.
وقال في لسان العرب: (إنّ العصمة هي الحفظ، يقال: عصمته فانعصم،، واعتصمت بالله،
إذا امتنعت بلطفه من المعصية).
والعصمة من الله تعالى هي: التوفيق الذي يسلم به الانسان ممّا يكره إذا أتى
بالطاعة، وذلك مثل إعطائنا رجلاً غريقاً حبلاً ليتشبّث به فيسلم، وقد بيّن الله
تعالى هذا المعنى في
=
================
( 64 )
يجب أن يكون منزَّهاً حتى عمّا ينافي المروءة، كالتبذل بين الناس من أكل في الطريق
أو ضحك عال، وكل عمل يستهجن فعله عند العرف العام.
والدليل على وجوب العصمة؛ أنّه لو جاز أن يفعل النبي المعصية، أو يخطأ وينسى، وصدر
منه شيء من هذا القبيل، فإمّا أن يجب اتّباعه في فعله الصادر منه عصياناً أو خطأً
أو لا يجب، فإن وجب اتّباعه فقد جوّزنا فعل المعاصي برخصة من الله تعالى، بل أوجبنا
ذلك(1)، وهذا باطل بضرورة الدين والعقل.
وان لم يجب اتّباعه فذلك ينافي النبوَّة التي لا بدّ أن تقترن بوجوب الطاعة أبداً.
على أن كل شيء يقع منه من فعل أو قول فنحن نحتمل فيه المعصية أو الخطأ، فلا يجب
اتّباعه في شيءٍ من الأشياء، فتذهب فائدة البعثة، بل يصبح النبي كسائر الناس، ليس
لكلامهم ولا لعملهم تلك القيمة العالية التي يعتمد عليها دائماً، كما لا تبقى طاعة
حتمية للأوامره، ولا ثقة مطلقة بأقواله وأفعاله(2).
____________

=
كتابه بقوله: (وَاعْتَصِموُا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً) آل عمران 3: 103. حبل الله هو
دينه.
وورد عن الامام زين العابدين عليه السلام أنه لما سئل عن معنى المعصوم قال: «هو
المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة، والامام يهدي
إلى القرآن، والقرآن يهدي إلى الامام، وذلك قول الله عز وجل: (إن هذا القرءآن يهدي
للتي هي أقوم) الاسراء 17: 9».
بحار الأنوار: 25/ 194، راجع أوائل المقالات من مصنفات الشيخ المفيد: 4/ 34. لسان
العرب: 12/ 403 ـ مادة (عصم).
(1) ومن البديهي أن إطاعة الرسول واجبة بأمر الله؛ حيث قال تعالى: (وَمَا
أَرْسَلْنا مِنْ رَسُوْلٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ) النساء 4: 64.
(2) حيث في مثل ذلك ما ينافي الآيات الواردة في القرآن الكريم التي تحثّ على إطاعة
=
================
( 65 )
وهذا الدليل على العصمة يجري عيناً في الامام؛ لان المفروض فيه أنه منصوب من الله
تعالى لهداية البشر خليفة للنبي، على ما سيأتي في فصل الاِمامة.
____________

=
الرسول صلّى الله عليه وآله وهي كثيرة؛ منها: قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِع اللهَ
ورَسولَهُ يُدْخِلْهُ جنتٍ تَجْري مِن تَحْتِها الأنْهَـرُ) النساء 4: 13. وقوله
تعالى: (وَمَنْ يُطِع الله وَالرَّسوُل فَأوُلِئكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ
عَلَيْهِم) النساء 4: 69، وقوله تعالى: (مَنْ يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اللهَ) النساء 4: 80، وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ
حسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا الله وَاليَوْمَ الآخِر وَذَكَرَ اللهَ كَثيراً)
الاحزاب 33: 21، وقوله تعالى: (ومَنْ يُطِع اللهَ وَرَسُولَه فَقَدْ فَازَ فَوزاً
عَظِيماً) الاحزاب 33: 71 وغيرها الكثير من الآيات.



الفصل الثالث
الامامة
================
عقيدتنا في الامامة
عقيدتنا في عصمة الاِمام
عقيدتنا في صفات الاِمام وعلمه
عقيدتنا في طاعة الاَئمّة
عقيدتنا في حبّ آل البيت
عقيدتنا في الاَئمّة
عقيدتنا في أنّ الاِمامة بالنص
عقيدتنا في عدد الاَئمّة
عقيدتنا في المهدي
عقيدتنا في الرجعة
عقيدتنا في التقيّة
================
( 85 )

23 ـ عقيدتنا في الاِِمامة

نعتقد: أنّ الامامة أصل من اُصول الدين(1) لا يتم الاِيمان إلاّ بالاعتقاد بها،
ولا يجوز فيها تقليد الآباء والاَهل والمربّين مهما عظموا
____________
(1) الاِمامة: هي الاَصل الرابع من أصول الدين عند الشيعة الاِمامية، وتأتي من بعد
النبوّة من حيث الاَهمية، ويمكن اعتبارها القاعدة العقائدية التي بها يتميّز
الامامية عن غيرهم من المذاهب الاسلامية، وتعتبر الاِمامة الاَساس الفكري الذي
يبتني عليه مذهب أتباع أهل البيت عليهم السلام.
والامامة في اللغة هي: عبارة عن تقدّم شخص ليتبعه الناس ويقتدون به، فيكون المقتدى
هوالامام والمقتدون هم المأمومون. فالاِمام: المؤتم به إنساناً، كأن يقتدي بقوله أو
فعله، وجمعه: أئمة.
ووردت كلمة إمام في القرآن في اثني عشر مورداً؛ منها بلفظ المفرد في سبعة موارد هي
في: (سورة البقرة 2: 124، هود 11: 17، الحجر 15: 79، الاسراء 17: 71، الفرقان 25:
74، يس 36: 12، الاَحقاف 46: 12).
وبلفظ الجمع في خمسة مواضع هي: (التوبة 9: 12، الاَنبياء 21: 73، القصص 28: 5 و41،
السجدة 32: 24).
أما المعنى الاصطلاحي لكلمة الامامة فهي: منصب إلهي يختاره الله بسابق علمه بعباده
كما يختار النبي، ويأمر النبي بأن يدلّ الاَمّة عليه ويأمرهم باتّباعه، وليس للعباد
أن يختاروا الامام بأنفسهم: ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ
لَهُمْ الخِيَرَةَ ) القصص 28: 68. ويختلف الامام عن النبي بأنّ النبي ويوحى إليه
والامام يتلقّى الاَحكام من النبي بتسديد إلهي. فالنبي مبلّغ عن الله، والامام
مبلّغ عن النبي. هذا ما يعتقده الامامية.
أما عند المذاهب الاخرى فالامامة هي: رئاسة عامّة في أمر الدين والدنيا خلافة عن
النبي صلّى الله عليه وآله وأحكامه في الفروع.
ولمزيد من الاطلاع راجع: كتب اللغة، أصل الشيعة واصولها: 210 و221، العقائد
الجعفرية: 27، الملل والنحل للشهرستاني: 1|33، شرح المقاصد: 5|232. وغيرها.

================
( 86 )
وكبروا، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوّة.
وعلى الاَقل أنّ الاعتقاد بفراغ ذمّة المكلَّف من التكاليف الشرعية المفروضة عليه
يتوقّف على الاعتقاد بها ايجاباً أو سلباً، فإذا لم تكن أصلاً من الاُصول لا يجوز
فيها التقليد؛ لكونها أصلاً، فإنّه يجب الاعتقاد بها من هذه الجهة، أي من جهة أنّ
فراغ ذمة المكلَّف من التكاليف المفروضة عليه قطعاً من الله تعالى واجب عقلاً،
وليست كلّها معلومة من طريقة قطعية، فلا بدَّ من الرجوع فيها إلى من نقطع بفراغ
الذمة باتّباعه، أمّا الامام على طريقة الامامية، أو غيره على طريقة غيرهم.
كما نعتقد: أنّها كالنبوَّة لطف من الله تعالى؛ فلا بدَّ أن يكون في كل عصر إمام
هادٍ يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر(1) وارشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة
في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامّة على الناس، لتدبير شؤونهم ومصالحهم،
وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم.
وعلى هذا، فالامامة استمرار للنبوّة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث
الاَنبياء هو نفسه يوجب أيضاً نصب الاِمام بعد الرسول.
فلذلك نقول: إنّ الامامة لا تكون إلاّ بالنص من الله تعالى على لسان النبي أو لسان
الاِمام الذي قبله، وليست هي بالاختيار، والانتخاب من
____________
(1) فقد قال تعالى: (إنَّا أَرْسَلْنكَ بِاْلحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ
أُمَّةٍ إلاّ خَلا فيها نَذِيرٌ) فاطر 35 : 24.
ووردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ الاَرض لا تخلو من حجّة. راجع الاصول من الكافي:
1| 136 باب أنّ الاَرض لا تخلو من حجّة و137 باب أنّه لو لم يبق في الاَرض إلاّ
رجلان لكان أحدهما الحجة. وغيرها.

================
( 87 )
الناس(1)، فليس لهم إذا شاؤوا ينصبوا أحدا نصّبوه ، واذا شاء وا أن يعيّنوا إمام
لهم عيّنوه ، ومتى شاؤوا أن يتركوا تعيينه تركوه، ليصح لهم البقاء بلا إمام، بل «من
مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة»(2)على ما ثبت
____________
(1) فقد اشتهر بين علماء الاسلام أنهم بين قولين لا ثالث لهما حول تنصيب الامام؛
فهم بين قائل بأنّ الامامة بالرأي والاختيار، وبين قائل بأنّها من العزيز الجبار.
وبطلان الاَول متفق عليه عند الشيعة الامامية، حيث أنّ الامام يجب أن يكون بتعيين
الله عزّ وجلّ، ويدلّ عليه النبي بأن يوصي بطاعته من بعده ـ كما فعل صلّى الله عليه
وآله في غدير خم ـ ومن ثمّ يوصي الامام بالامام الذي يليه وهكذا. أو يكون بظهور
المعجزة على يده؛ لاَنّ شرط الامامة العصمة وهي من الامور الخفيّة الباطنيّة التي
لا يعلمها إلاّ الله تعالى.
أما المذاهب الاخرى ـ غير الامامية ـ فقالوا: إنّ الامامة لا يشترط فيها استخلاف
النبي وعهده، بل قد تكون بالمبايعة، وهي أن يبايع أهل الحل والعقد شخصاً يجعلونه
إماماً ـ وهذا يبتني على عدم اشتراط العصمة في الامام ـ ولا يشترط أن يتفق الجميع
على بيعته، بل قد تكفي مبايعة شخص واحد فقط. وإذا لم تتم البيعة فهنالك طريق آخر
لتنصيب الامام هو: القهر والاستيلاء؛ فإذا مات الامام وتصدّى للامامة من يستجمع
شرائطها من غير بيعة ولا استخلاف وقهر الناس بشوكته انعقدت الخلافة له، حتى وإن كان
فاسقاً جاهلاً جائراً ظالماً، وقالوا أنّه لا يجوز عزل الامام حتى وإن كان فاسقاً،
لكن لو جاء من هو أقوى منه فعزله وقهره انعزل وصار القاهر إماماً.
فهل يرضى العاقل لنفسه الانقياد إلى مذهب ويوجب إمامة الفاسق والجائر والجاهل لا
لسبب، إلاّ لاَنّه الاَقوى والاَقدر على قهر غيره ولو بالفسق والجريمة؟!
ولا يجوز عزله إلاّ بمن هو أقوى منه فيقهره فيكون إماماً عليه بعد أن كان مأموماً
له؟! وهل هذا هو الامام الذي من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية؟! وأين هذا المذهب
من قوله تعالى: (أفَمنْ يَهْدِي إِلى الحْقِّ أَحقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ
يَهْدي إلاَّ أَنْ يُهدَى فَمالَكُم كَيْفَ تَحْكُموُنَ) يونس 10: 35.
ولمزيد من الاطلاع راجع: نهج الحق وكشف الصدق: 168، شرح المقاصد للتفتازاني: 5:
233، التمهيد للباقلاني: 186، أصل الشيعة واصولها: 221، عقائد الجعفرية: 29.
(2) انظر: الكافي: 1|377 ح3، المحاسن: 1|176 ح273، عيون أخبار الرضا (عليه
================
( 88 )
ذلك عن الرسول الاَعظم بالحديث المستفيض.
وعليه لا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة، منصوب من الله تعالى؛
سواء أبى البشر أم لم يأبوا، وسواء ناصروه أم لم يناصروه، أطاعوه أم لم يطيعوه،
وسواء كان حاضراً أم غائباً عن أعين الناس؛ إذ كما يصح أن يغيب النبي ـ كغيبته في
الغار(1)والشعب(2)ـ صحَّ أن يغيب الامام، ولا فرق في حكم العقل بين طول الغيبة
وقصرها.
قال الله تعالى: (وَلِكُلِ قومٍ هَادٍ ).(3)
وقال: (وإِن مِـن أُمّـةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيها نَذِيرٌ ) .(4)
____________

=
السلام):2|58 ح214، إكمال الدين: 413 ح15، الغيبة للنعماني: 130 ح6، رجال الكشي:
2|724 ح799، مسند الطيالسي: 259|1913، حلية الاَولياء: 3|224، المعجم الكبير
للطبراني: 10|350 ح10687، مستدرك الحاكم: 1|77، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:
9|155، ينابيع المودة: 3|155، مجمع الزوائد: 5|224، مسند أحمد: 4|96.
(1) وهي غيبته التي قال فيها عزّ وجلّ: (إلاّ تَنْصرُوُهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ
إذْ أَخْرَجَهُ الَّذينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنيَنِ إذ هُما في الغَارِ إذْ يَقُولُ
لِصَاحِبِه لاَ تَحْزَنْ إنَّ الله مَعَنَا فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
وَأيَّدَهُ بجُنِودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَروُا
السُّفْلَى وكَلِمَةُ الله هيَ العُلْيا وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة 9: 40.
(2) الشِعب: هو ما انفرج بين جبلين. والمقصود به هنا هو شعب أبي طالب (رض) الذي
دخله بنو هاشم ومعهم بنو عبد المطّلب بن عبد مناف ـ باستثناء أبي لهب ـ واستمرّوا
فيه إلى السنة العاشرة حيث استمرت هذه المحنة سنتين أو ثلاثاً، ووضعت قريش عليهم
الرقباء حتّى لا يأتيهم أحد بالطعام. وكانوا ينفقون من أموال خديجة وأبي طالب حتى
نفدت. ولم يكونوا يخرجون من الشِعب إلاّ في موسم العمرة في رجب وموسم الحج. وكان
خلال هذه الفترة يخرج علي عليه السلام فيأتيهم بالطعام سرّاً من مكّة.
راجع: الصحيح في سيرة النبي: 2|108، لسان العرب: 1|499.
(3) الرعد 13: 7.
(4) فاطر 35: 24.

================
( 89 )

24 ـ عقيدتنا في عصمة الإمام

ونعتقد: أنّ الاِمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر
منها وما بطن، من سنِّ الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً.
كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان؛ لاَنّ الاَئمّة حفظة الشرع،
والقوَّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة
الاَنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الاَئمة، بلا فرق(1).
ليس على الله بمُستنكَرِ * أنْ يَجمعَ العالَمَ في واحدِ(2)
____________
(1) ولو لم يكونوا معصومين لما كانوا يستحقّون أن يكونوا خلفاء النبي صلّى الله
عليه وآله، ولاَنّ عدم عصمتهم يلزم منه التسلسل؛ حيث أنّ سبب الحاجة إلى الامام بعد
النبي هو عدم عصمة الناس، فيحتاجون إلى من يرشدهم ويدلّهم على الطريق السوي، فإذا
لم يكن هذا المرشد معصوماً لاحتاج إلى غيره، وهذا يؤدّي إلى وجوب وجود ما لانهاية
من الاَئمة.
راجع: أوائل المقالات ـ للشيخ المفيد ـ القول 37، تجريد الاعتقاد: 222.
(2) البيت لاَبي نواس في ديوانه، راجع: دلائل الاعجاز: 196 (218) و: 424 (499)، و:
428 (502).

================
( 90 )

25 ـ عقيدتنا في صفات الاِمام وعلمه

ونعتقد: أنّ الاِمام كالنبي يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال، من شجاعة،
وكرم، وعفّة، وصدق، وعدل، ومن تدبير، وعقل وحكمة وخلق.
والدليل في النبي هو نفسه الدليل في الامام...
أمّا علمه؛ فهو يتلقّى المعارف والاَحكام الاِلهية وجميع المعلومات من طريق النبي
أو الاِمام من قبله.
وإذا استجدّ شيء لا بدَّ أن يعلمه من طريق الاِلهام بالقوة القدسية التي أودعها
الله تعالى فيه، فإنْ توجّه إلى شيء وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقي، لا يخطىَ فيه
ولا يشتبه، ولا يحتاج في كلّ ذلك إلى البراهين العقلية، ولا إلى تلقينات
المعلِّمين(1) ، وإن كان علمه قابلاً للزيادة والاشتداد، ولذا قال صلّى الله عليه
وآله في دعائه: «رَبِّ زدني علماً»(2).
أقول: لقد ثبت في الاَبحاث النفسيّة أنّ كل انسان له ساعة أو ساعات في حياته قد
يعلم فيها ببعض الاَشياء من طريق الحدس الذي هو فرع من الاِلهام؛ بسبب ما أودع الله
تعالى فيه من قوّة على ذلك، وهذه القوّة تختلف
____________
(1) لاَنه ـ بطبيعة الحال ـ لو احتاج إلى معلّم يلقّنه ويعلّمه لكان ذلك الشخص أعلم
منه في تلك المسألة التي علّمه إياها ـ على أقل التقديرات ـ فيكون هو إمامه وعليه
أن يتّبعه ويلتزم بقوله، وفي نفس الوقت يكون هذا المعلم يحتاج إلى من يعلمه وهكذا،
فيلزم التسلسل. ولذلك يفترض في الامام أن يكون أعلم الموجودين في زمانه ولا يحتاج
إلى تعليم من أحد منهم.
(2) تضمين قوله تعالى: (وَقُلْ ربِّ زِدْنِي عِلْماً): طه 20: 114.

================
( 91 )

شدّة وضعفاً، وزيادة ونقيصة في البشر باختلاف أفرادهم، فيطفر ذهن الانسان في تلك
الساعة إلى المعرفة من دون أن يحتاج إلى التفكير وترتيب المقدّمات والبراهين أو
تلقين المعلّمين، ويجد كل إنسان من نفسه ذلك في فرص كثيرة في حياته.
وإذا كان الاَمر كذلك، فيجوز أن يبلغ الانسان من قوّته الالهامية أعلى الدرجات
وأكملها، وهذا أمر قرَّره الفلاسفة المتقدّمون والمتأخرون.
فلذلك نقول ـ وهو ممكن في حدِّ ذاته ـ : إنّ قوّة الالهام عند الامام ـ التي تسمّى
بالقوة القدسية ـ تبلغ الكمال في أعلى درجاته، فيكون في صفاء نفسه القدسية على
استعداد لتلقّي المعلومات في كلّ وقت وفي كل حالة، فمتى توجَّه إلى شيء من الاَشياء
وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوّة القدسية الالهامية بلا توقّف ولا ترتيب
مقدمات ولا تلقين معلِّم، وتنجلي في نفسه المعلومات كما تنجلي المرئيات في المرآة
الصافية، لاغطش فيها ولا إبهام.
ويبدو واضحاً هذا الاَمر في تاريخ الاَئمّة عليهم السلام كالنبي محمد صلّى الله
عليه وآله؛ فإنّهم لم يتربَّوا على أحد، ولم يتعلَّموا على يد معلِّم، من مبدأ
طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم انه دخل الكتاتيب،
أو تلمذ على يد استاذ في شيء من الاشياء، مع ما لهم من منزلة علمية لا تجارى(1) .
وما سُئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه في
____________
(1) وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «رسول الله صلّى الله عليه وآله علّمني ألف
باب، وكلّ باب منها يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتّى علمت ما كان وما يكون إلى
يوم القيامة، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب» الكافي: 1|239، ينابيع
المودة 1|75.
وقال عليه السلام: «والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه
=
================
( 92 )

وقته، ولم تمر على ألسنتهم كلمة (لا أدري)(1) ، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة أو
التأمّل أو نحو ذلك(2).
في حين أنّك لا تجد شخصاً مترجماً له من فقهاء الاِسلام ورواته وعلمائه إلاّ ذكرت
في ترجمته تربيته وتلمذته على غيره، وأخذه الرواية أو العلم على المعروفين، وتوقّفه
في بعض المسائل، أو شكِّه في كثير من المعلومات، كعادة البشر في كلِّ عصر ومصر.
____________

=
لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا فيّ برسول الله صلّى الله عليه وآله، ألا وإنّي مفضيه
إلى الخاصة ممّن يؤمن ذلك منه. والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ما أنطق إلاّ
صادقاً، وقد عهد إليّ بذلك كله وبمهلك من يهلك ومنجى من ينجو ومآل هذا الاَمر، وما
أبقى شيئاً يمر على رأسي إلاّ أفرغه في اذني وأفضى به إليّ» نهج البلاغة: الخطبة
175.
وغيرها من الروايات والاَحاديث الدالة على أنّ علمهم عليهم السلام من الله عن طريق
النبي صلّى الله عليه وآله.
(1) وقد ورد في الحديث عن هشام بن الحكم، عن الامام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«إنّ الله لا يجعل حجّته في أرضه يُسأل عن شيء فيقول لا أدري» الكافي: 1|177 ذيل
الحديث1، التنبيه: 32.
(2) بل اشتهر عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه كان يقول: «أيها الناس سلوني قبل
أن تفقدوني، فلاَنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الاَرض» نهج البلاغة: الخطبة: 184.

================
( 93 )

26 ـ عقيدتنا في طاعة الاَئمّة

ونعتقد: أنّ الاَئمة هم أولو الاَمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم(1) ، وأنّهم
الشهداء على الناس(2) ، وأنّهم أبواب الله، والسبل إليه، والاَدلاّء عليه(3) ،
وأنّهم عيبة علمه، وتراجمة وحيه، وأركان توحيده، وخُزّان معرفته(4) ، ولذا كانوا
أماناً لاَهل الاَرض كما أنّ النجوم أمان لاَهل السماء ـ على حد تعبيره صلّى الله
عليه وآله(5) ـ.
____________
(1) إشارة إلى قوله تعالى: (يأَيُّها الّذِينَ آمَنوُا أَطِيعوُا اللهَ وأطيعوُا
الرَّسُولَ وأُوْلِي الاَمْرِ منْكُمْ فَإنْ تَنَزَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إلى
اللهِ والرَّسُولِ إِن كُنْتُم تُؤمِنُونَ باللهِ وَاليومِ الاَخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأوِيلاً) النساء 4: 59.
(2) فقد ورد عن الامام الباقر عليه السلام وعن الامام أبي عبدالله الصادق عليه
السلام أنّهم قالوا: «نحن الاَمة الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه» الكافي: 1|146
ح2 و4، حيث ورد قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) البقرة 2:
143.
(3) حيث أنّهم هم الاَئمة بالحق، وقد تواتر عن النبي قوله: «من مات ولم يعرف إمام
زمانه مات ميتة جاهلية». انظر: عقيدتنا في الامامة.
وورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: «إنّ الله تبارك وتعالى لو شاء لعرّف
العباد نفسهُ، ولكن جعلنا أبوابه، وصراطه، وسبيله، والوجه الذي يؤتى منه، فمن عدل
عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا فانّهم عن الصراط لناكبون» الكافي: 1|184.
(4) ورد عن الاِمام الباقر عليه السلام: «نحن خزّان علم الله، ونحن تراجمة وحي
الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الاَرض» الكافي: 1|192.
وورد ـ أيضاً ـ عن الامام الصادق عليه السلام قوله: «نحن ولاة أمر الله، وخزنة علم
الله وعيبة وحي الله» الكافي: 1|192.
(5) انظر: صحيفة الامام الرضا (عليه السلام): 47 ح67، عيون أخبار
=
================
( 94 )
وكذلك ـ على حدِّ قوله أيضاً ـ «إنّ مثلهم في هذه الاُمّة كسفينة نوح من ركبها
نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى»(1)
وأنّهم ـ حسبما جاء في الكتاب المجيد ـ (بَلْ عِبادٌ مُكرَمُون * لا يَسبِقُونَهُ
بالقَولِ وَهُم بأَمرِه يَعمَلُونَ)(2).
وأنّهم الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً(3).
____________

=
الرضا (عليه السلام): 2|27 ح14، علل الشرائع: 123 ح1، إكمال الدين: 1|205 ح19،
فضائل أحمد: 189|267، المعجم الكبير للطبراني: 7|25 ح6260، المطالب العالية: 4|74
ح4002، إحياء الميت بفضائل أهل البيت (عليهم السلام) للسيوطي: 42 ح21، ذخائر
العقبى: 17، فرائد السمطين: 2|241 ح515، كنز العمال: 12|101 ح34188، مستدرك الحاكم:
3|149، مجمع الزوائد: 9|174، الصواعق المحرقة: 234.
(1) انظر: إكمال الدين: 239 ذيل الحديث 59، الاَمالي للطوسي: 60 ح88|57 و459
ح1026|32، عيون الاَخبار لابن قتيبة: 1|310، مستدرك الحاكم: 2|343 و3|150، حلية
الاَولياء: 4|306، تاريخ بغداد: 12|91 ح6507، مقتل الحسين للخوارزمي: 1|104، المعجم
الكبير للطبراني: 12|34 ح12388، المعجم الصغير للطبراني: 2|22، المناقب لابن
المغازلي: 132 ـ 134 ح173 ـ 177، ارجح المطالب: 4|75 ح4003، 4004، ذخائر العقبى:
20، الخصائص الكبرى: 2|266، إحياء الميت بفضائل أهل البيت (عليهم السلام) للسيوطي:
45 ح24 ـ 27، فرائد السمطين: 2|242 ح516، كنز العمال: 12|95 ح34151، مجمع الزوائد:
9|168، الصواعق المحرقة: 234.
(2) الاَنبياء 21: 26 ـ 27.
(3) أجمع المفسرون، وروي عن أئمة أهل البيت وكثير من الصحابة أنّ قوله تعالى:
(إِنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُم تَطْهِيراً) الاَحزاب 33: 33. نزل في رسول الله وعلي وفاطمة والحسن
والحسين عليهم السلام. وإلى هذا أشار المصنّف (قدّس سرّه).
وللاطّلاع: راجع: نهج الحق: 173، شواهد التنزيل للحسكاني: 2|10 ـ 192، الدر
=
================
( 95 )
بل نعتقد: أنّ أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم
معصيته، ووليّهم وليّه، وعدوَّهم عدوّه(1).
ولا يجوز الرد عليهم والراد عليهم كالراد على الرسول، والراد على الرسول كالراد
على الله تعالى(2).
فيجب التسليم لهم والانقياد لاَمرهم والاَخذ بقولهم.
ولهذا نعتقد: أنّ الاَحكام الشرعية الاِلهية لا تستقى إلاّ من نمير مائهم، ولا
يصحّ أخذها إلاّ منهم، ولا تفرغ ذمّة المكلَّف بالرجوع إلى غيرهم، ولا يطمئنّ بينه
وبين الله إلى أنّه قد أدّى ما عليه من التكاليف المفروضة إلاّ من طريقهم(3) .
إنّهم كسفينة نوح؛ من ركبها نجا، ومن تخلَّف
____________

=
المنثور: 5|198، مشكل الآثار: 1|332، مجمع الزوائد: 9|121. مسند أحمد بن حنبل:
1|330 و4|107 و6|292، الصواعق المحرقة: 85، تفسير الطبري: 22|5، أُسد الغابة: 4|29،
خصائص النسائي: 4، الغدير: 1|49 و: 3|195 و: 5|416، احقاق الحق: 2|501 ـ 553 و:
3|531 ـ 551 و: 5|54 و58 ـ 60 و: 9|1 ـ 69 و: 18|359 ـ 383، دلائل الصدق: 2|103،
صحيح مسلم: 4|1883، سنن الترمذي: 5|351، تفسير ابن كثير: 3|493.
(1) حيث قال رسول الله صلّى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام في حديث الغدير:
«اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وادر الحق معه
كيفما دار». وسيأتي الكلام عنه في مبحث عقيدتنا في أنّ الامامة بالنص.
(2) بما أنّ الامام منصّب من قبل الرسول صلّى الله عليه وآله، وبما أنّ الرسول قال
نصاً: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» فهذا يقتضي أنّ طاعة الامام هي طاعة الرسول،
والراد عليه كالراد على الرسول، وقد قال تعالى: (مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ
أَطَاعَ اللهَ) النساء: 4: 80.
(3) فقد ورد عن أبي حمزة الثمالي، عن السجاد عليه السلام: «قال لنا علي بن الحسين
عليه السلام: أي البقاع أفضل؟ فقلنا: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، فقال لنا: افضل
البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أنّ رجلاً عمّر ما عمّر نوح في قومه ـ ألف سنة
إلاّ خمسين عاماً ـ يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان ثم لقى الله بغير
ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئاً». من لا يحضره
=
================

الموالي
04-21-2009, 12:57 AM
( 96 )
عنها غرق في هذا البحر المائج الزاخر بأمواج الشبه والضلالات، والادّعاءات
والمنازعات.
ولا يهمّنا من بحث الامامة في هذه العصور إثبات أنّهم هم الخلفاء الشرعيون وأهل
السلطة الإلهية؛ فإنّ ذلك أمر مضى في ذمّة التأريخ، وليس في إثباته ما يعيد دورة
الزمن من جديد، أو يعيد الحقوق المسلوبة إلى أهلها، وإنّما الذي يهمّنا منه ما
ذكرنا من لزوم الرجوع إليهم في الاَخذ بأحكام الله الشرعية، وتحصيل ما جاء به
الرسول الاَكرم على الوجه الصحيح الذي جاء به.
وإنّ في أخذ الاَحكام من الرواة والمجتهدين الذين لا يستقون من نمير مائهم، ولا
يستضيئون بنورهم، ابتعاداً عن محجّةالصواب في الدين، ولا يطمئن المكلَّف من فراغ
ذمته من التكاليف المفروضة عليه من الله تعالى؛ لاَنّه مع فرض وجود الاختلاف في
الآراء بين الطوائف والنحل فيما يتعلَّق بالاَحكام الشرعية اختلافاً لا يرجى معه
التوفيق، لا يبقى للمكلَّف مجال أن يتخيَّر ويرجع إلى أي مذهب شاء ورأي اختار، بل
لا بدَّ له أن يفحص
____________

=
الفقيه: 2|159 ح17، عقاب الاعمال: 243 ح2، الاَمالي للطوسي: 132 ح209|22، وسائل
الشيعة: 1|122 ح 308، وكذا كافة أحاديث الباب 29 من أبواب مقدمة العبادات في
الوسائل: 1.
وأورد الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ج2 ح141 الحديث التالي: عن أبي أمامة
الباهلي: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ الله خلق الاَنبياء من أشجار شتى
وخلقت وعلي من شجرة واحدة، فأنا أصلها، وعلي فرعها، والحسن والحسين ثمارها،
وأشياعنا أوراقها فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومن زاغ هوى، ولو أنّ عبداً عبد
الله بين الصفا والمروة ألف عام، ثمّ ألف عام، حتى يصير كالشن البالي، ثمّ لم يدرك
محبتنا أكبّه الله على منخريه في النار، ثمّ قرأ صلّى الله عليه وآله: (قُلْ لاَ
أَسئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ في القُربَى) [الشورى 42: 23]».

================
( 97 )

ويبحث، حتى تحصل له الحجة القاطعة بينه وبين الله تعالى على تعيين مذهب خاص يتيقّن
أنّه يتوصِّل به إلى أحكام الله، وتفرغ به ذمّته من التكاليف المفروضة؛ فإنّه كما
يقطع بوجود أحكام مفروضة عليه يجب أن يقطع بفراغ ذمّته منها؛ فان الاشتغال اليقيني
يستدعي الفراغ اليقيني.
والدليل القطعي دالّ على وجوب الرجوع إلى آل البيت، وأنّهم المرجع الاَصلي بعد
النبي لاَحكام الله المنزلة، وعلى الاَقل قوله عليه أفضل التحيات: «إنّي قد تركت
فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً؛ الثقلين، وأحدهما أكبر من الآخر: كتاب
الله حبل ممدود من السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتى
يردا عليَّ الحوض»(1)
وهذا الحديث اتّفقت الرواية عليه من طرق أهل السنَّة والشيعة.
فدقّق النظر في هذا الحديث الجليل تجد ما يقنعك ويدهشك في مبناه ومعناه، فما أبعد
المرمى في قوله: «إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي
____________
(1) انظر: سنن الترمذي: 5|663 ح3788، مسند أحمد: 3|14 و17 و: 26، 5|182 و189، سنن
الدارمي: 431، المصنف لابن أبى شيبة: 11|452 ح11725، السنّة لابن أبي عاصم: 2|336
ح754 و: 628 ـ 630 ح1548 و1549 و1553 ـ 1555، طبقات ابن سعد: 2|194، مشكل الآثار:
4|368، مستدرك الحاكم: 3|109 و148، حلية الاَولياء: 1|355، المعجم الكبير للطبراني:
5|153 ـ 154 ح 4921 ـ 4923 و: 169 ـ 170 ح4980 ـ 4982 والمعجم الصغير: 1|131،
المناقب لابن المغازلي: 234 ـ 235 ح281 ـ 283، مصابيح السنة: 4|190 ح4816، جامع
الاصول: 1|278، اُسد الغابة: 2|12، ذخائر العقبى: 16، إحياء الميت بفضائل أهل البيت
عليهم السلام للسيوطي: 30 ـ 32 ح6 ـ 8 مجمع الزوائد: 1|170 و9|162، كنز العمال:
1|172 ـ 173 ح870 ـ 873 و875 ـ 876 و185 ـ 186 ح943 ـ 945 و947، 949 و: 187 ح 952 ـ
953، صحيح مسلم: 4|1873 ح36 و37، تفسير الرازي: 8|163، تفسير ابن كثير: 4|122.

================
( 98 )
أبداً» والذي تركه فينا هما الثقلان معاً؛ إذ جعلهما كأمر واحد، ولم يكتف بالتمسُّك
بواحد منهما فقط، فبهما معاً لن نضل بعده أبداً.
وما أوضح المعنى في قوله: «لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»، فلا يجد الهداية
أبداً من فرَّق بينهما ولم يتمسّك بهما معاً، فلذلك كانوا «سفينة النجاة»، و«أماناً
لاَهل الاَرض»، ومن تخلَّف عنهم غرق في لجج الضلال، ولم يأمن من الهلاك.
وتفسير ذلك بحبّهم فقط من دون الاَخذ بأقوالهم واتّباع طريقهم هروب من الحق، لا
يلجىء إليه إلاّ التعصُّب والغفلة عن المنهج الصحيح في تفسير الكلام العربي المبين.
================
( 99 )

27 ـ عقيدتنا في حبّ آل البيت

قال الله تعالى: (قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلْيِه أَجْراً إلاَّ الْمَوَدَّةَ في
الْقُربى)(1).
نعتقد: أنّه زيادة على وجوب التمسُّك بآل البيت، يجب على كل مسلم أن يدين بحبّهم
ومودّتهم؛ لاَنّه تعالى في هذه الآية المذكورة حصر المسؤول عليه الناس في المودة في
القربى.
وقد تواتر عن النبي صلّى الله عليه وآله: أنّ حبهم علامة الايمان، وأنّ بغضهم
علامة النفاق(2) وأن من أحبّهم أحب الله ورسوله، ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله(3).
____________
(1) الشورى 42: 23. وقد ورد عن ابن عباس قال: لما نزل: (قُل لاَ أَسْئَلُكُمْ
عَلْيِه أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ في الْقُربى) قالوا: يا رسول الله من قرابتك
الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «علي وفاطمة والحسن والحسين».
لزيادة الاطلاع راجع: الدر المنثور: 6|7، تفسير الطبري: 25|14، مستدرك الحاكم:
2|444، مسند أحمد: 199، ينابيع المودّة: 15، الصواعق المحرقة: 11 و102، ذخائر
العقبى: 25 ومصادر اُخرى.
(2) انظر: فضائل أحمد: 176 ح248، ذخائر العقبى: 18، كنوز الحقائق للمناوي: 134،
احياء الميت بفضائل أهل البيت عليهم السلام: 35 ح13، مسند أحمد: 1|84، 95، 128،
صحيح مسلم: 1|86 ح131، التاج الجامع للاصول: 3|335، سنن الترمذي: 2|301، سنن
النسائي: 8|117، الصواعق المحرقة: 263، المحاسن: 1|176 ح274، أمالي الصدوق: 384.
(3) انظر: أمالي الصدوق: 384|16، كنز العمال: 12|98 ح34168 و12: 103 ح34194 و12|116
ح 34286، متقل الحسين للخوارزمي: 1|109
=
================
( 100 )

بل حبّهم فرض من ضروريات الدين الاِسلامي التي لا تقبل الجدل والشك، وقد اتّفق
عليه جميع المسلمين على اختلاف نِحلهم وآرائهم، عدا فئة قليلة اُعتبروا من أعداء آل
محمد، فنُبزوا باسم (النواصب) أي مَن نصبوا العداوة لآل بيت محمد، وبهذا يُعدُّون
من المنكرين لضرورة إسلامية ثابتة بالقطع، والمنكر للضرورة الاسلامية ـ كوجوب
الصلاة والزكاة ـ يُعدّ في حكم المنكر لاَصل الرسالة، بل هو على التحقيق منكر
للرسالة، وإن أقرَّ في ظاهر الحال بالشهادتين.
ولاَجل هذا كان بغض آل محمد من علامات النفاق، وحبّهم من علامات الايمان، ولاَجله
أيضاً كان بغضهم بغضاً لله ولرسوله.
ولا شكّ أنّه تعالى لم يفرض حبّهم ومودّتهم إلاّ لاَنّهم أهل للحب والولاء، من
ناحية قربهم إليه سبحانه، ومنزلتهم عنده، وطهارتهم من الشرك والمعاصي، ومن كل ما
يبعد عن دار كرامته وساحة رضاه.
ولا يمكن أن نتصوَّر أنّه تعالى يفرض حب من يرتكب المعاصي، أو لا يطيعه حقّ طاعته؛
فإنّه ليس له قرابة مع أحد أو صداقة، وليس عنده الناس بالنسبة إليه إلاّ عبيداً
مخلوقين على حد سواء، وإنّما أكرمهم عند الله أتقاهم(1) فمن أوجب حبه على الناس
كلهم لا بدَّ أن يكون أتقاهم وأفضلهم جميعاً، وإلاّ كان غيره أولى بذلك الحب، أو
كان الله يفضِّل بعضاً على بعض في وجوب الحب والولاية عبثاً أو لهواً بلا جهة
استحقاق وكرامة؟!
____________

=
ذخائر العقبى: 18، الصواعق المحرقة: 263.
(1) وقد قال عزّ وجلّ في محكم كتابه الكريم: (يأَيُّهَا النَّاسُ إنَّا
خَلَقْنَكُمْ من ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنـكُمْ شُعُوبَاً وَقَبائِلَ
لِتَعارَفوُا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقـكُمْ إنَّ اللهَ عَليمٌ خَبِيرُ)
الحجرات 49: 13.



الفصل الرابع
ما أدّب به آل البيت شيعتهم

================
تمهيد
عقيدتنا في الدعاء
أدعية الصحيفة السجّاديّة
عقيدتنا في زيارة القبور
عقيدتنا في معنى التشيّع عند آل البيت عليهم السلام
عقيدتنا في الجور والظلم
عقيدتنا في التعاون مع الظالمين
عقيدتنا في الوظيفة في الدولة الظالمة
عقيدتنا الدعوة إلى الوحدة الاسلامية
عقيدتنا حق المسلم على المسلم
================
( 125 )
تمهيد:
إنّ الاَئمّة من آل البيت عليهم السلام علموا من ذي قبل أنّ دولتهم لن تعود إليهم
في حياتهم، وأنّهم وشيعتهم سيبقون تحت سلطان غيرهم ممّن يرى ضرورة مكافحتهم بجميع
وسائل العنف والشدّة.
فكان من الطبيعي ـ من جهة ـ أن يتّخذوا التكّتم «التقيّة» ديناً وديدناً لهم
ولاَتباعهم، ما دامت التقيّة تحقن من دمائهم، ولا تسيء إلى الآخرين ولا إلى الدين،
ليستطيعوا البقاء في هذا الخضم العجّاج بالفتن، والثائر على آل البيت بالاِحن.
وكان من اللازم بمقتضى امامتهم ـ من جهة اُخرى ـ أن ينصرفوا إلى تلقين أتباعهم
أحكام الشريعة الاسلامية، وإلى توجيههم توجيهاً دينيّاً صالحاً، وإلى أن يسلكوا بهم
مسلكاً اجتماعياً مفيداً؛ ليكونوا مثال المسلم الصحيح العادل.
وطريقة آل البيت في التعليم لا تحيط بها هذه الرسالة، وكتب الحديث الضخمة متكفلة
بما نشروه من تلك المعارف الدينية، غير أنّه لا بأس أن نشير هنا إلى بعض ما يشبه أن
يدخل في باب العقائد فيما يتعلَّق بتأديبهم لشيعتهم بالآداب التي تسلك بهم المسلك
الاجتماعي المفيد، وتقرِّبهم زلفى إلى الله تعالى، وتطهِّر صدورهم من درن الآثام
والرذائل، وتجعل منهم عدولاً صادقين.
وقد تقدّم الكلام في التقيّة التي هي من تلك الآداب المفيدة اجتماعياً لهم، ونحن
ذاكرون هنا بعض ما يعنُّ لنا من هذه الآداب.
================
( 126 )
34 ـ عقيدتنا في الدعاء

قال النبي صلّى الله عليه وآله: «الدعاء سلاح المؤمن، وعمود الدين، ونور السموات
والاَرض»(1)وكذلك هو، أصبح من خصائص الشيعة التي امتازوا بها، وقد ألّفوا في فضله
وآدابه، وفي الاَدعية المأثورة عن آل البيت ما يبلغ عشرات الكتب؛ من مطوّلة
ومختصرة، وقد اُودع في هذه الكتب ما كان يهدف إليه النبي وآل بيته صلى الله عليهم
وسلّم من الحث على الدعاء، والترغيب فيه، حتى جاء عنهم: «أفضل العبادة
الدعاء»(2)و«أحب الاَعمال إلى الله عزّ وجّل في الاَرض الدعاء»(3).
بل ورد عنهم: «إن الدعاء يردّ القضاء والبلاء»(4)وأنّه «شفاء من كل داء»(5).
وقد ورد أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان رجلاً دعّاءً(6)أي كثير الدعاء،
وكذلك ينبغي أن يكون وهو سيِّد الموحِّدين، وإمام الالهيين.
وقد جاءت أدعيته كخطبه آية من آيات البلاغة العربية، كدعاء كميل ابن زياد
المشهور(7) ، وقد تضمَّنت من المعارف الالهية، والتوجيهات الدينية
____________
(1) الكافي: 2|339 ح1.
(2) الكافي: 2|338ضمن الحديث 1.
(3) الكافي: 2|339 ح8.
(4) انظر: الكافي: 2|341 ح1ـ 8.
(5) الكافي: 2|341 ح1.
(6) الكافي: 2|339 ذيل الحديث 8.
(7) أي الدعاء الذي علمه أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد النخعي رحمه
الله. وهو
=
================
( 127 )
ما يصلح أن تكون منهجاً رفيعاً للمسلم الصحيح.
وفي الحقيقة، إنّ الاَدعية الواردة عن النبي وآل بيته عليهم الصلاة والسلام خير
منهج للمسلم إذا تدبَّرها؛ تبعث في نفسه قوّة الايمان والعقيدة، وروح التضحية في
سبيل الحق، وتعرِّفه سرَّ العبادة، ولذّة مناجاة الله تعالى والانقطاع إليه،
وتلقِّنه ما يجب على الانسان أن يعلمه لدينه، وما يقرِّبه إلى الله تعالى زلفى،
ويبعده عن المفاسد والاَهواء والبدع الباطلة.
وبالاختصار؛ إنّ هذه الاَدعية قد أُودعت فيها خلاصة المعارف الدينية من الناحية
الخلقية والتهذيبية للنفوس، ومن ناحية العقيدة الاسلامية، بل هي من أهم مصادر
الآراء الفلسفية، والمباحث العلمية في الالهيات والاخلاقيات.
ولو استطاع الناس ـ وما كلهم بمستطيعين ـ أن يهتدوا بهذا الهدى الذي تثيره هذه
الاَدعية في مضامينها العالية، لما كنت تجد من هذه المفاسد ـ المثقلة بها الارض ـ
أثراً، ولحلَّقت هذه النفوس المكبَّلة بالشرور في سماء الحق حرّة طليقة، ولكن أنّى
للبشر أن يصغي إلى كلمة المصلحين والدعاة إلى الحق، وقد كشف عنهم قوله تعالى: (إنَّ
النَّفسَ لاََمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)(1)(وَمَا أكَثرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصتَ
بمُؤمِنينَ)(2).
____________

=
الدعاء المسمى بدعاء الخضر عليه السلام، وسمي بدعاء كميل لاَنّ كميل بن زياد ـ الذي
هو من خواص الامام أمير المؤمنين وخواص الامام الحسن عليه السلام ـ هو الذي رواه عن
الاِمام علي عليه السلام، وقال أنّه كان يدعو به ساجداً في ليلة النصف من شعبان.
ويستحب قراءة هذا الدعاء في كل ليلة جمعة، أو في الشهر مرة، أو في السنة مرة، أو في
العمر مرة.
راجع: مصباح المجتهد: 844، المصباح للكفعمي: 2/ 282.
(1) يوسف 12: 53.
(2) يوسف 12: 103.

================
( 128 )
نعم، إنّ ركيزة السوء في الانسان اغتراره بنفسه، وتجاهله لمساوئه، ومغالطته لنفسه
في أنّه يحسن صنعاً فيما اتّخذ من عمل، فيظلم ويتعدّى، ويكذب ويراوغ، ويطاوع شهواته
ما شاء له هواه، ومع ذلك يخادع نفسه أنّه لم يفعل إلاّ ما ينبغي أن يفعل، أو يغضّ
بصره متعمداً عن قبيح ما يصنع، ويستصغر خطيئته في عينه.
وهذه الاَدعية المأثورة التي تُستمدّ من منبع الوحي تجاهد أن تحمل الانسان على
الاختلاء بنفسه، والتجرّد إلى الله تعالى، لتلقّنه الاعتراف بالخطأ، وأنّه المذنب
الذي يجب عليه الانقطاع إلى الله تعالى لطلب التوبة والمغفرة، ولتلمّسه مواقع
الغرور والاجترام في نفسه، ومثل أن يقول الداعي من دعاء كميل بن زياد:
« إلهي ومَولاي! أجْريتَ عليَّ حُكماً اتَّبعتُ فيهِ هوى نفسِي، وَلمْ أحتَرسْ
فيهِ منْ تَزْيينِ عدوِّي، فغرَّني بِما أهوى، وَأسعدهُ على ذلكَ القضاءُ، فتجاوزتُ
بما جرى عليَّ منْ ذلك بعضَ حدودِكَ، وخالفتُ بعضَ أوامرِكَ »(1).
ولا شك أنّ مثل هذا الاعتراف في الخلوة أسهل على الانسان من الاعتراف علانية مع
الناس، وإن كان من أشق أحوال النفس أيضاً، وإن كان بينه وبين نفسه في خلواته، ولو
تم ذلك للانسان فله شأن كبير في تخفيف غلواء نفسه الشريرة، وترويضها على طلب الخير.
ومن يريد تهذيب نفسه لا بدَّ أن يصنع لها هذه الخلوة، والتفكير فيها بحرية
لمحاسبتها، وخير طريق لهذه الخلوة والمحاسبة أن يواظب على قراءة هذه الاَدعية
المأثورة التي تصل بمضامينها إلى أغوار النفس؛ مثل أن يقرأ في
____________
(1) مصباح المتهجد: 844 ـ دعاء كميل بن زياد.

================
( 129 )
دعاء أبي حمزة الثمالي(1)رضوان الله تعالى عليه:
« أيْ ربِّ! جلّلني بسترِكَ، واعفُ عنْ توبيخِي بكرم وجهِكَ! ».
فتأمّل كلمة «جلّلني..»؛ فإنّ فيها ما يثير في النفس رغبتها في كتم ما تنطوي عليه
من المساوئ ؛ ليتنبّه الانسان إلى هذه الدخيلة فيها، ويستدرجه إلى أن يعترف بذلك
حين يقرأ بعد ذلك:
« فلو اطّلعَ اليومَ على ذنبِي غيرُكَ ما فعلتُه، ولو خفتُ تعجيلَ العقوبةِ
لاجْتنبتُه ».
وهذا الاعتراف بدخيلة النفس، وانتباهه إلى الحرص على كتمان ما عنده من المساوئ
يستثيران الرغبة في طلب العفو والمغفرة من الله تعالى؛ لئلاّ يُفتضح عند الناس لو
أراد الله أن يعاقبه في الدنيا أو الآخرة على أفعاله، فيلتذ الانسان ساعتئذٍ
بمناجاة السر، وينقطع إلى الله تعالى، ويحمده أنّه حلم عنه وعفا عنه بعد المقدرة
فلم يفضحه؛ إذ يقول في الدعاء بعدما تقدّم:
« فَلكَ الحمدُ على حلمِكَ بعدَ علمِكَ، وعلى عفوِكَ بعدَ قُدرتِكَ »
ثمّ يوحي الدعاء إلى النفس سبيل الاعتذار عمّا فرط منها على أساس ذلك الحلم والعفو
منه تعالى؛ لئلاّ تنقطع الصلة بين العبد وربّه، ولتلقين العبد أنّ عصيانه ليس
لنكران الله واستهانة بأوامره؛ إذ يقول:
« ويحملُني ويجرِّئني على معصيَتكَ حلمُكَ عنّي، ويدعوني إلى قلّةِ الحياءِ سترُكَ
عليَّ، ويسرِّعني إلى التوثُّبِ على محارمِكَ معرفَتِي بسَعِة
____________
(1) وهو الدعاء الذي رواه ابو حمزة الثمالي عن الامام زين العابدين علي بن الحسين
عليه السلام، حيث قال: إنّه كان يصلي عامّة الليل في شهر رمضان فإذا كان السحر دعا
بهذا الدعاء.
مصباح المتهجد: 582، المصباح للكفعمي: 2|345.

================
( 130 )
رحمتِكَ وعظيمِ عفوِكَ ».
وعلى أمثال هذا النمط تنهج الاَدعية في مناجاة السرّ؛ لتهذيب النفس، وترويضها على
الطاعات، وترك المعاصي.
ولا تسمح الرسالة هذه بتكثير النماذج من هذا النوع، وما أكثرها.
ويعجبني أن أورد بعض النماذج من الاَدعية الواردة باسلوب الاحتجاج مع الله تعالى
لطلب العفو والمغفرة، مثل ما تقرأ في دعاء كميل بن زياد:
« وليتَ شِعري يا سيّدِي ومولايَ، أتسلِّطُ النارَ على وجوهٍ خرَّتْ لعظمتِكَ
ساجدةً، وعلى ألسُنٍ نطقتْ بتوحيدِكَ صادَقةً، وبشكرِكَ مادِحةً، وعلى قلوبٍ
اعترفَتْ بالهيّتِك محقِّقةً، وعلى ضمائِرَ حوتْ مِنَ العلمِ بكَ حتّى صارتْ
خاشعَةً، وعلى جوارحَ سعَتْ إلى أوطانِ تعبُّدِكَ طائعةً، وأشارتْ باستغفارِكَ
مذعنةً؟! ما هكذا الظنُّ بكَ، ولا اُخبرنَا بفضلِكَ ».
كرّر قراءة هذه الفقرات، وتأمِّل في لطف هذا الاحتجاج وبلاغته وسحر بيانه؛ فهو في
الوقت الذي يوحي للنفس الاعتراف بتقصيرها وعبودّيتها، يلقِّنها عدم اليأس من رحمة
الله تعالى وكرمه، ثم يكلِّم النفس بابن عم الكلام، ومن طرف خفي؛ لتلقينها واجباتها
العليا؛ إذ يفرض فيها أنّها قد قامت بهذه الواجبات كاملة، ثمّ يعلِّمها أنّ الانسان
بعمل هذه الواجبات يستحق التفضل من ألله بالمغفرة، وهذا ما يشوِّق المرء إلى أن
يرجع إلى نفسه فيعمل ما يجب أن يعمله إن كان لم يؤدّ تلك الواجبات.
ثمّ تقرأ اسلوباً آخر من الاحتجاج من نفس الدعاء:
« فهبنِي يا إلهي وسيِّدي وربِّي صبرْتُ على عذابِكَ فكيفَ أصبرُ على فراقِكَ!
وهبْني يا إلهي صبرْتُ على حرِّ نارِكَ فكيفَ أصبرُ عن النظرِ إلى كرامَتِكَ! ».
وهذا تلقين للنفس بضرورة الالتذاذ بقرب الله تعالى، ومشاهدة كرامته

================
( 131 )
وقدرته؛ حبّاً له، وشوقاً إلى ما عنده، وبأنّ هذا الالتذاذ ينبغي أن يبلغ من الدرجة
على وجه يكون تأثير تركه على النفس أعظم من العذاب وحرّ النار، فلو فرض أنّ الانسان
تمكَّن من أن يصبر على حر النار فإنّه لا يتمكَّن من الصبر على هذا الترك، كما
تُفهمنا هذه الفقرات أنّ هذا الحب والالتذاذ بالقرب من المحبوب المعبود خير شفيع
للمذنب عند الله لاَن يعفو ويصفح عنه.
ولا يخفى لطف هذا النوع من التعجُّب والتملُّق إلى الكريم الحليم قابل التوب وغافر
الذنب.
ولا بأس في أن نختم بحثنا هذا بإيراد دعاء مختصر جامع لمكارم الاَخلاق، ولما ينبغي
لكلّ عضو من الانسان وكلّ صنف منه أن يكون عليه من الصفات المحمودة:
« اللّهُمَّ ارزُقنا توفيقَ الطاعةِ، وبعدَ المعصيةِ، وصدقَ النيِّةِ، وعرفانَ
الحرمةِ.
وأكرِمْنا بالهدَى والاستقامِة، وسدِّد ألسنتَنا بالصواب والحكمة، واملاَ قلوبنا
بالعلم والمعرفة، وطهِّر بطوننا من الحرام والشبهةِ، واكفُفْ أيديَنا عنْ الظلم
والسرقِة، واغضضْ أبصارَنا عنْ الفجورِ والخيانةِ، واسدُدْ أسماعَنا عنْ اللغوِ
والغيبةِ.
وتفضِّلْ على علمائِنا بالزهدِ والنصيحةِ، وعلى المتعلِّمينَ بالجُهدِ والرغبةِ،
وعلى المستمعينَ بالاتِّباع والموعظةِ.
وعلى مرضَى المسلمينَ بالشفاءِ والراحةِ، وعلى موتاهُمْ بالرأفةِ والرحمةِ.
وعلى مشايخِنا بالوقارِ والسكينةِ، وعلى الشباب بالاِنابةِ والتوبةِ، وعلى النساءِ
بالحياءِ والعفَّةِ، وعلى الاَغْنياءِ بالتواضُعِ والسعَةِ، وعلى

================
( 132 )
الفقراءِ بالصبرِ والقناعةِ.
وعلى الغزاةِ بالنصرِ والغلبةِ، وعلى الاُسَراءِ بالخلاصِ والراحَةِ، وعلى
الاُمَراءِ بالعدلِ والشفقَةِ، وعلى الرعيّةِ بالاِنصافِ وحسنِ السيرةِ.
وباركْ للحجَّاجِ والزوَّارِ في الزادِ والنفقةِ، واقضِ ما أوجبْتَ عليهِمْ منَ
الحجِّ والعمرةِ.
بفضلِكَ ورحمتِكَ يا أرحَمَ الراحمينَ »(1).
وإنّي لموص اخواني القرّاء ألاّ تفوتهم الاستفادة من تلاوة هذه الاَدعية، بشرط
التدبُّر في معانيها ومراميها، وإحضار القلب والاِقبال والتوجه إلى الله بخشوع
وخضوع، وقراءتها كأنّها من إنشائه للتعبير بها عن نفسه، مع اتّباع الآداب التي ذكرت
لها من طريقة آل البيت؛ فإنّ قراءتها بلا توجّه من القلب صرف لقلقة في اللسان، لا
تزيد الانسان معرفة، ولا تقرِّبه زلفى، ولا تكشف له مكروباً، ولا يُستجاب معه له
دعاء.
«إن الله عزّ وجلّ لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثمّ استيقن
بالاجابة»(2).
____________
(1) البلد الاَمين: 349.
(2) الكافي: 2|343 ح1.

================
( 133 )

35 ـ أدعية الصحيفة السجّادية
بعد واقعة الطف المحزنة(1) وتملُّك بني أُميّة ناصية أمر الاَمَّة الاسلامية ـ
فأوغلوا في الاستبداد، وولغوا في الدماء، واستهتروا في تعاليم الدين ـ بقي الامام
زين العابدين، وسيِّد الساجدين عليه السلام جليس داره محزوناً ثاكلاً، وجليس بيته
لا يقربه أحد، ولا يستطيع أن يفضي إلى الناس بما يجب عليهم، وما ينبغي لهم (2) .
____________
(1) وهي الواقعة التي استشهد فيها الامام أبو عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام
في العاشر من محرم الحرام من عام 61 هـ، مع صفوة من أهل بيته وأصحابه في طف كربلاء
بالعراق، ولم يبق منهم سوى الامام السجاد علي بن الحسين عليهما السلام، وكانت هذه
الحادثة من أفجع ما وقع في صدر التأريخ الاسلامي وأمضّها تأثيراً في تأريخ الاَمة،
وقد تجسدت فيها أروع الامثلة للدفاع عن العقيدة والتضحية من أجل المبدأ، وتناول
المؤرخون أخبارها بشكل مستفيض، وأما ما قيل فيها من غرر الشعر وروائعه فقد ملاَت
الكتب والدواوين الشعرية الخاصة بها.
(2) لقد تجسدت في حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام صفحات مشرّفة من تأريخ الامة
الاسلامية؛ نظراً للدور القيادي الذي اضطلعوا به، ولم تكن محصّلة الاَعمال الجليلة
لكل إمام منهم ـ صلوات الله عليهم ـ إلاّ في ضوء سيرة مثلى وحلقات ذهبية تكمل إحدها
الاَخرى؛ فهم من نور واحد.
وقد حاول البعض الكتابة في حياة الامام السجاد علي بن الحسين زين العابدين عليه
السلام وحصرها في جانب نشاطه العبادي، والحياة الروحية، وتحجيم دوره الاجتماعي
والجهادي، بعد إيمانهم بأنّ رسالة الاَئمة الاَطهار عليهم السلام قد انكفأت عن
الواقع بمصرع سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام.
وقد استدلّوا على ذلك بما اُثر عن الامام السجاد من صحيفته المشهورة في الدعاء
(زبور آل محمّد) ورسالته في الحقوق. في الوقت الذي نجد أنّه عليه السلام بالاِضافة
إلى دوره
=
================
( 134 )

فاضطرّ أن يتّخذ من أسلوب الدعاء ـ الذي قلنا إنّه أحد الطرق التعليمية لتهذيب
النفوس ـ ذريعة لنشر تعاليم القرآن، وآداب الاسلام، وطريقة آل البيت، ولتلقين الناس
روحية الدين والزهد، وما يجب من تهذيب النفوس والاَخلاق.
وهذه طريقة مبتكرة له في التلقين، ولا تحوم حولها شبهة المطاردين له، ولا تقوم بها
عليه الحجّة لهم، فلذلك أكثر من هذه الاَدعية البليغة، وقد جمعت بعضها « الصحيفة
السجادية » التي سميت بـ « زبور آل محمّد »، وجاءت في اسلوبها ومراميها في أعلى
أساليب الاَدب العربي، وفي أسمى مرامي الدين الحنيف، وأدق اسرار التوحيد والنبوّة،
وأصح طريقة لتعليم الاَخلاق المحمدية، والآداب الاسلامية.
وكانت في مختلف الموضوعات التربوية الدينية، فهي تعليم للدين والاَخلاق في أُسلوب
الدعاء، أو دعاء في اسلوب تعليم للدين والاَخلاق، وهي بحقّ ـ بعد القرآن، ونهج
البلاغة ـ من أعلى أساليب البيان العربي، وأرقى المناهل الفلسفية في الاِلهيات
والاَخلاقيات:
فمنها ما يعلّمك كيف تمجِّد الله وتقدّسه، وتحمده وتشكره، وتتوب
____________

=
التعليمي في تربية الطليعة المؤمنة الواعية، وبناء الجماعة الصالحة فقد دلّت
الدراسات الدقيقة أنّه (قام بدور سياسي فعّال، وكان له تنظيم وتخطيط دقيق يمكن
اعتباره من أذكى الخطط السياسية المتاحة لمثل تلك الظروف.. ممّا يدل على انّ الجهاد
السياسي الذي قام به الامام السجاد عليه السلام من أجل تنفيذ خططه يعدّ من أدق
أشكال العمل السياسي وانجحها).
وقد افاض العلامة المحقق الحجة السيد محمد رضا الحسيني الجلالي في دراسته الموسومة
«جهاد الامام السجاد عليه السلام» ـ والذي صدر أخيراً ـ ما يفتح الطريق على
الدارسين مجدداً لبحث موقف الامام زين العابدين عليه السلام في ضوء ما يصحح الرؤية
السابقة.

================
( 135 )
إليه(1).
ومنها ما يعلِّمك كيف تناجيه، وتخلو به بسرّك، وتنقطع إليه(2).
ومنها ما يبسط لك معنى الصلاة على نبيّه ورسله وصفوته من خلقه، وكيفيتها(3).
ومنها ما يفهمك ما ينبغي أن تبرّ به والديك(4).
ومنها ما يشرح لك حقوق الوالد على ولده، أو حقوق الولد على والده، أو حقوق
الجيران، أو حقوق الاَرحام، أو حقوق المسلمين عامّة، أو حقوق الفقراء على الاَغنياء
وبالعكس(5).
ومنها [ما] ينبّهك على ما يجب ازاء الديون للناس عليك، وما ينبغي أن تعمله في
الشؤون الاقتصادية والمالية، وما ينبغي أن تعامل به أقرانك وأصدقاءك وكافّة الناس،
ومن تستعملهم في مصالحك(6).
ومنها ما يجمع لك بين جميع مكارم الاَخلاق، ويصلح أن يكون منهاجاً كاملاً لعلم
الاَخلاق(7).
ومنها ما يعلّمك كيف تصبر على المكاره والحوادث، وكيف تلاقي
____________
(1) الصحيفة السجادية: الدعاء (2): من دعائه عليه السلام في التحميد لله عزّ وجّل
والثناء عليه.
(2) لاحظ دعاءه عليه السلام في التضرع والاستكانة (51). وغيره من الاَدعية الكثير،
ففيها مناجاة واضحة وتضرع وتذلل لله تعالى.
(3) لاحظ الدعاء (2): الصلاة على محمّد وآله، والدعاء (3): الصلاة على حملة العرش،
والدعاء (4): الصلاة على مصدّقي الرسل.
(4) لاحظ الدعاء (24): دعاؤه لاَبويه.
(5) لاحظ الاَدعية (24، 25، 26): دعاؤه لاَبويه، ودعاؤه لولده، ودعاؤه لجيرانه.
(6) لاحظ: الدعاء (30): دعاؤه في المعونة على قضاء الدين.
(7) لاحظ: الدعاء (20): دعاؤه في مكارم الاَخلاق.

================
( 136 )
حالات المرض والصحّة(1).
ومنها ما يشرح لك واجبات الجيوش الاسلامية، وواجبات الناس معهم(2)... إلى غير ذلك
ممّا تقتضيه الاَخلاق المحمَّدية، والشريعة الاِلهية، وكلّ ذلك باسلوب الدعاء وحده.
والظاهرة التي تطغو على أدعية الامام عدّة أُمور:
الاَول:
التعريف بالله تعالى وعظمته وقدرته، وبيان توحيده وتنزيهه بأدق التعبيرات العلمية،
وذلك يتكرّر في كلّ دعاء بمختلف الاَساليب، مثل ما تقرأ في الدعاء الاَوّل: «الحمدُ
للهِ الاَوَّلِ بلا أوَّلٍ كانَ قبلَهُ، والآخِرُ بلا آخِرٍ يكونُ بعدهُ، الّذي
قَصُرتْ عنْ رؤيِتِه أبصارُ الناظِرينَ، وعَجَزَتْ عنْ نعْتِهِ أوهامُ الواصِفينَ.
ابتدَعَ بقدرتِهِ الخلقَ ابتداعاً، واخترعَهُمْ على مشيئتِهِ اختِراعاً»(3)
فتقرأ دقيق معنى الاول والآخر، وتنزُّه الله تعالى عن أن يحيط به بصر أو وهم،
ودقيق معنى الخلق والتكوّين.
ثمّ تقرأ اسلوباً آخر في بيان قدرته تعالى وتدبيره في الدعاء 6:
« الحمدُ للهِ الَّذي خَلقَ الليلَ والنهارَ بقوَّتِهِ، وميَّز بينهَما بقدرتِهِ،
وجعَلَ لكلٍّ منهُما حدّاً محدوداً، يُولجُ كلَّ واحدٍ منهما فِي صاحِبه، ويولجُ
صاحبَهُ فيهِ، بتقديرٍ منهُ للعبادِ فيما يَغذوهُمْ بِهِ، ويُنشئُهمْ عليهِ، فخلقَ
لهمْ الليلَ ليسكُنوا فيهِ من حركاتِ التعبِ ونهضاتِ النصبِ، وجعلَهُ لباساً
ليلبسُوا مِنْ
____________
(1) لاحظ: الدعاء (15): دعاؤه عند المرض.
(2) لاحظ: الدعاء (27): دعاؤه لاَهل الثغور.
(3) الدعاء (1): التحميد لله عزّ وجّل.

================
( 137 )

راحَتِهِ ومقامِهِ، فيكونُ ذلكَ لهُمْ جمَاماً وقوَّةً؛ ولِينالُوا بهٍ لذَةً
وشهوةً »(1). إلى آخر ما يذكر من فوائد خلق النهار والليل، وما ينبغي أن يشكره
الانسان من هذه النعم.
وتقرأ اسلوباً آخر في بيان أنّ جميع الاَمور بيده تعالى في الدعاء 7:
« يَا مَنْ تُحَلُّ بهِ عُقدُ المكارِهِ، وَيا منْ يُفثأُ بهِ حدُّ الشدائِدِ،
وَيا مَنْ يُلتمَسُ منْهُ المخَرجُ إلى روح الفرَجِ، ذلَّتْ لقدرتِكَ الصعابُ،
وتسبَّبَتْ بلطفِكَ الاَسبابُ، وجرَى بقُدرَتِكَ القضاءُ، ومضَتْ على إرادَتِكَ
الاَشياءُ، فهي بمشيئَتِكَ دونَ قولِكَ مؤتمرةٌ، وبإرادتِكَ دونَ نهيكَ منزجرةٌ
»(2).
الثاني:
بيان فضل الله تعالى على العبد، وعجز العبد عن أداء حقّه مهما بالغ في الطاعة
والعبادة، والانقطاع إليه تعالى، كما تقرأ في الدعاء 37:
« اللّهمَّ إنّ أحداً لا يبلُغُ مِنْ شكرِكَ غايةً إلاّ حصَل عليهِ من إحسانِكَ ما
يُلزِمُهُ شُكراً، ولا يبلُغُ مبلَغاً من طاعَتِكَ وإنْ اجتهَدَ إلاّ كانَ مقصِّراً
دونَ استحقاقِكَ بفضِلكَ، فأشْكَرُ عبادِكَ عاجزٌ عن شكرِكَ، وأعبدُهُمْ مقصِّرٌ
عنْ طاعَتِكَ »(3).
وبسبب عظم نِعم الله تعالى على العبد التي لا تتناهى يعجز عن شكره، فكيف إذا كان
يعصيه مجترئاً، فمهما صنع بعدئذ لا يستطيع أن يكفِّر عن معصية واحدة، وهذا ما
تصوّره الفقرات الآتية من الدعاء 16:
« يَا إلهي لَوْ بكيْتُ إليكَ حتّى تسقُطَ أشفارُ عينَيّ، وانتحبْتُ حتّى
____________
(1) الدعاء (6): دعاؤه عند الصباح والمساء.
(2) الدعاء (7): دعاؤه إذا عرضت مهمّةأو نزلت به ملمّة، وعند الكرب.
(3) الدعاء (37): من دعائه إذا اعترف بالتقصير عن تأدية الشكر.

================
( 138 )

ينقطعَ صوتِي، وقمْتُ لكَ حتّى تتنشّرَ قدَمايَ، وركعتُ لكَ حتّى ينخلعَ صُلبي،
وسجدتُ لكَ حتّى تتفقّأَ حدقتايَ، وأكلتُ ترابَ الاَرضِ طولَ عمرِي، وشربتُ ماءَ
الرمادِ آخرَ دهرِي، وذكرتُكَ في خلالِ ذلكَ حتّى يكلَّ لساني، ثمّ لمْ أرفعْ طرفِي
إلى آفاقِ السماءِ استحياءً منكَ، ما استوجبتُ بذلكَ محوَ سيِّئةٍ واحدةٍ منْ
سيّئاتي »(1)
الثالث:
التعريف بالثواب والعقاب، والجنة والنار، وأنّ ثواب الله تعالى كلّه تفضُّل، وأنّ
العبد يستحق العقاب منه بأدنى معصية يجترئ بها، والحجّة عليه فيها لله تعالى.
وجميع الاَدعية السّجادية تلهج بهذه النغمة المؤثّرة؛ للايحاء إلى النفس الخوف من
عقابه تعالى، والرجاء في ثوابه، وكلها شواهد على ذلك بأساليبها البليغة المختلفة
التي تبعث في قلب المتدبّر الرعب والفزع من الاِقدام على المعصية، مثل ما تقرأ في
الدعاء 46:
« حجّتكَ قائمةٌ لا تُدْحضُ، وسلطانكَ ثابتٌ لا يزولُ، فالويلُ الدائمُ لمنْ جنحَ
عنكَ، والخيبةُ الخاذلةُ لمنْ خابَ منكَ، والشقاءُ الاَشقى لمنْ اغترَّ بكَ. ما
أكثرَ تصرّفَهُ في عذابِكَ، وما أطولَ تردُّدَه في عقابِكَ، وما أبعدَ غايتَه من
الفرج، وما أقنطَهُ من سهولَةِ المخرج؛ عدلاً من قضائِكَ لا تجوز فيهِ، وإنصافاً
منْ حكمكَ لا تحيفُ عليهِ، فقد ظاهرتَ الحججَ، وأبليت الاَعذارَ.. »(2).
____________
(1) الدعاء (16): من دعائه عليه السلام إذا استقال من ذنوبه، أو تضرع في طلب العفو
عن عيوبه.
(2) الدعاء (46): من دعائه في يوم الفطر إذا انصرف من صلاته، وفي يوم الجمعة.

================
( 139 )
ومثل ما تقرأ في الدعاء 31:
« اللّهمَّ فارحمْ وحدتِي بينَ يديكَ، ووجيبَ قلبي منْ خشيِتكَ، واضطرابَ أركاني
من هيبتكَ؛ فقدْ أقامتْني ـ يا ربِّ ـ ذنوبي مقامَ الخِزي بفنائِكَ، فإنْ سكتُّ لمْ
ينطقْ عنّي أحدٌ، وإن شفعتُ فلستُ بأهلِ الشفاعةِ »(1).
ومثل ما تقرأ في الدعاء 39:
« فإنَّكَ إِنْ تكافني بالحقِّ تهلكني، وإلاّ تغَمَّدْني برحمتكَ توبقْني...
وأستحمِلك منْ ذنوبي ما قدْ بهظَني حملُهُ، واستعينُ بكَ على ما قدْ فدحني ثقلُه،
فصلِّ على محمِّدٍ وآلهِ، وهبْ لِنفسِي على ظلمِها نفسي، ووَكِّلْ رحمتكَ باحتمالِ
إصري... »(2).
الرابع:
سوق الداعي بهذه الاَدعية الى الترفّع عن مساوئ الاَفعال وخسائس الصفات؛ لتنقية
ضميره، وتطهير قلبه، مثل ما تقرأ في الدعاء 20:
« اللّهمَّ وفِّرْ بلطفك نيّتي، وَصَحِّحْ بما عندكَ يقيني، واستصلِحْ بقدرتكَ ما
فسدَ منّي...
«اللّهمَّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّد ومتِّعني بهدىً صالحٍ لا استبدلُ به،
وطريقةِ حقٍّ لا أزيغُ عنها، ونيّةِ رشدٍ لا أشكُّ فيها.
اللّهمَّ لا تدعْ خصلةً تُعابُ منّي إلاّ أصلحتَها، ولا عائبةً أؤنَّبُ بها إِلاّ
حسَّنتَها، ولا أكرومةً فيَّ ناقصةً إلاّ أتممتَها »(3).
____________
(1) الدعاء (31): من دعائه في ذكر التوبة وطلبها.
(2) الدعاء (39): من دعائه في طلب العفو والرحمة.
(3) الدعاء (20): من دعائه في مكارم الاَخلاق ومرضي الاَفعال.

================
( 140 )
الخامس:
الايحاء إلى الداعي بلزوم الترفُّع عن الناس وعدم التذلّل لهم، وألاّ يضع حاجته
عند أحد غير الله، وأنّ الطمع بما في أيدي الناس من أخسِّ ما يتّصف به الاِنسان،
مثل ما تقرأ في الدعاء 20:
« ولا تفتنِّي بالاستعانةِ بغيركَ إذا اضطررتُ، ولا بالخشوع لسؤالِ غيركَ إذا
افتقرتُ، ولا بالتضرُّع إلى منْ دونكَ إذا رهبتُ، فأستحقَّ بذلكَ خذلانَكَ ومنعَكَ
واعراضَكَ »(1)
ومثل ما تقرأ في الدعاء 28:
« اللّهمَّ إنّي أخلصتُ بانقطاعي إليكَ(2) وصرفتُ وجهي عمَّنْ يحتاجُ إلى رفدكَ،
وقلبتُ مسألتي عمّنْ لمْ يستغن عن فضلكَ، ورأيتُ أنّ طلبَ المحتاجِ إلى المحتاجِ
سفةٌ من رأيهِ، وضلَّةٌ من عقلِهِ »(3)
ومثل ما تقرأ في الدعاء 13:
« فَمنْ حاوَلَ سدّ خلّتِهِ من عندِكَ، ورامَ صرفَ الفقرَ عَنْ نفسِهِ بكَ، فقدْ
طلبَ حاجَتَه في مظانِّها، وأتى طلبتَهُ من وجِهها. ومنْ توجَّهَ بحاجتِهِ إلى أحدٍ
منْ خلقِكَ، أو جعلَهُ سببَ نُجحِها دونَك، فقدْ تعرَّضَ للحرمانِ، واستحقَّ
منكَ(4) فوتَ الاحسانِ »(5).
السادس:
تعليم الناس وجوب مراعاة حقوق الآخرين، ومعاونتهم، والشفقة
____________
(1) الدعاء (20): من دعائه في مكارم الاَخلاق ومرضي الاَفعال.
(2) في المصدر: إضافة: «وأقبلت بكلّي عليك».
(3) الدعاء (39): من دعائه عليه السلام في طلب العفو والرحمة.
(4) في المصدر: «من عندك».
(5) الدعاء (13): من دعائه عليه السلام في طلب الحوائج إلى الله.

================
( 141 )

والرأفة من بعضهم لبعض، والايثار فيما بينهم، تحقيقاً لمعنى الاَخوّة الاسلامية،
مثل ما تقرأ في الدعاء 38:
« اللّهمَّ إنّي أعتذرُ إليكَ منْ مظلومٍ ظُلِمَ بحضرتي فَلمْ أنصرْهُ، ومِنْ
معروفٍ أُسديَ إليَّ فلمْ أشكْرهُ، ومِنْ مسيءٍ اعتذرَ إليَّ فلمْ أعذرْهُ، ومِنْ
ذِي فاقةٍ سألني فلمْ أؤثرْهُ، ومِنْ حقِّ ذي حقٍّ لزمني لمؤمنٍ فلمْ أوفِّرْهُ،
ومِنْ عيب مؤمنٍ ظهرَ لي فلمْ أستْرهُ.. »(1) إِنّ هذا الاعتذار من أبدع ما ينبِّه
النفس إلى ما ينبغي عمله من هذه الاَخلاق الاِلهية العالية.
وفي الدعاء 39 ما يزيد على ذلك؛ فيعلِّمك كيف يلزمك أن تعفو عمَّن أساء إليك،
ويحذِّرك من الانتقام منه، ويسمو بنفسك إلى مقام القدّيسين:
« اللّهمَّ وأيُّما عبدٍ نالَ منِّي ما حظرتَ عليهِ، وانتهكَ منِّي ما حجرتَ
عليهِ، فمضَى بظلامتِي ميّتاً، أو حصلتْ لي قِبَلَهُ حَيّاً، فاغفرْ لَهُ ما ألمَّ
بهِ منِّي، واعفُ لهُ عمّا أدبرَ بهِ عنِّي، ولا تقفهُ على ما ارتكبَ فيَّ، ولا
تكشفهُ عمّا اكتسبَ بي، واجعلْ ما سمحتُ بهِ منَ العفوِ عنهمْ، وتبرَّعتُ من
الصدقةِ عليهمْ أزكى صدقاتِ المتصدِّقينَ، وأعلى صِلاتِ المتقرِّبينَ، وعوِّضني منْ
عفْوي عنهُمْ عفوَكَ، ومنْ دعائِي لهمْ رحمتَكَ؛ حتّى يسعَدَ كلُّ واحدٍ منّا
بفضلِكَ »(2).
وما أبدع هذه الفقرة الاَخيرة، وما أجمل وقعها في النفوس الخيِّرة؛ لتنبيهها على
لزوم سلامة النيّة مع جميع الناس، وطلب السعادة لكلّ أحد
____________
(1) الدعاء (38): من دعائه عليه السلام في الاعتذار من تبعات العباد، ومن التقصير
في حقوقهم، وفي فكاك رقبته من النار.
(2) الدعاء (39): من دعائه عليه السلام في طلب العفو والرحمة.

================
( 142 )

حتّى من يظلمه ويعتدي عليه. ومثل هذا كثير في الاَدعية السجادية، وما أكثر ما فيها
من هذا النوع من التعاليم السماوية المهذِّبة لنفوس البشر لو كانوا يهتدون.



الفصل الخامس
================
عقيدتنا في البعث والمعاد
عقيدتنا في المعاد الجسماني
================
( 177 )

43 ـ عقيدتنا في البعث والمعاد

نعتقد: أنّ الله تعالى يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد في اليوم الموعود به
عباده، فيثيب المطيعين، ويعذِّب العاصين.
وهذا أمر على جملته وما عليه من البساطة في العقيدة اتّفقت عليه الشرائع السماوية
والفلاسفة، ولا محيص للمسلم من الاعتراف به عقيدة قرآنية جاء بها نبينا الاَكرم
صلّى الله عليه وآله وسلم؛ فإنّ من يعتقد بالله اعتقاداً قاطعاً، ويعتقد كذلك
بمحمَّد رسولاً منه أرسله بالهدى ودين الحق، لا بدَّ أن يؤمن بما أخبر به القرآن
الكريم من البعث، والثواب والعقاب، والجنة والنعيم، والنار والجحيم، وقد صرَّح
القرآن بذلك، ولمَّح إليه بما يقرب من ألف آية كريمة.
وإذا تطرَّق الشك في ذلك إلى شخص فليس إلاّ لشك يخالجه في صاحب الرسالة، أو وجود
خالق الكائنات أو قدرته، بل ليس إلاّ لشك يعتريه في اصل الاَديان كلّها، وفي صحّة
الشرائع جميعها.
================
( 178 )

44 ـ عقيدتنا في المعاد الجسماني

وبعد هذا، فالمعاد الجسماني ـ بالخصوص ـ ضرورة من ضروريات الدين الاسلامي، دلَّ
صريح القرآن الكريم عليها (أَيَحْسَبُ الاِِنسـنُ ألَّن نَّجمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى
قـدِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانُه)(1).
(وَإن تَعجَبْ فَعَجَبٌ قَولُهُم أَإذا كُنّا تُراباً أَءِنّا لَفي خَلْقٍ
جَدِيدٍ)(2).
(أَفَعَيِينَا بِالخَلقِ الاَوَّلِ بَلْ هُمْ في لَبسٍ من خَلقٍ جَدِيدٍ)(3).
وما المعاد الجسماني ـ على إجماله ـ إلاّ اعادة الانسان في يوم البعث والنشور
ببدنه بعد الخراب، وإرجاعه إلى هيئته الاولى بعد أن يصبح رميماً.
ولا يجب الاعتقاد في تفصيلات المعاد الجسماني أكثر من هذه العقيدة على بساطتها
التي نادى بها القرآن، وأكثر ممّا يتبعها من الحساب والصراط، والميزان والجنة
النار، والثواب والعقاب بمقدار ما جاءت به التفصيلات القرآنية.
(ولا تجب المعرفة على التحقيق التي لا يصلها إلاّ صاحب النظر الدقيق، كالعلم بأنّ
الاَبدان هل تعود بذواتها أو إنّما يعود ما يماثلها بهيئات؟ وأنّ الاَرواح هل تعدم
كالاَجساد أو تبقى مستمرّة حتى تتّصل بالاَبدان عند المعاد؟ وأنّ المعاد هل يختص
بالانسان أو يجري على كافّة ضروب الحيوان؟ وأنّ عودها بحكم الله دفعي أو تدريجي؟
____________
(1) القيامة 75: 3 ـ 4.
(2) الرعد 13: 5.
(3) ق 50: 15.

================
( 179 )

وإذا لزم الاعتقاد بالجنة والنار لا تلزم معرفة وجودهما الآن، ولا العلم بأنّهما
في السماء أو الاَرض، أو يختلفان.
وكذا إذا وجبت معرفة الميزان لا تجب معرفة أنّها ميزان معنوية، أو لها كفّتان.
ولا تلزم معرفة أنّ الصراط جسم دقيق، أو هو الاستقامة المعنوية.
والغرض أنّه لا يشترط في تحقيق الاسلام معرفة أنّها من الاجسام...)(1).
نعم، إنّ تلك العقيدة في البعث والمعاد على بساطتها هي التي جاء بها الدين
الاسلامي، فاذا أراد الانسان أن يتجاوزها إلى تفصيلها بأكثر ممّا جاء في القرآن
ليقنع نفسه دفعاً للشبه ـ التي يثيرها الباحثون والمشككون بالتماس البرهان العقلي
أو التجربة الحسية ـ فانّه إنّما يجني على نفسه، ويقع في مشكلات ومنازعات لا نهاية
لها.
وليس في الدين ما يدعو إلى مثل هذه التفصيلات التي حشدت بها كتب المتكلِّمين
والمتفلسفين، ولا ضرورة دينية ولا اجتماعية ولا سياسية تدعو إلى أمثال هاتيك
المشاحنات والمقالات المشحونة بها الكتب عبثاً، والتي استنفدت كثيراً من جهود
المجادلين وأوقاتهم وتفكيرهم بلا فائدة.
والشبه والشكوك التي تُثار حول تلك التفصيلات يكفي في ردّها قناعتنا بقصور الانسان
عن إدراك هذه الاُمور الغائبة عنّا، والخارجة عن أفقنا ومحيط وجودنا، والمرتفعة فوق
مستوانا الاَرضي، مع علمنا بأنّ الله تعالى العالم القادر أخبرنا عن تحقيق المعاد
ووقوع البعث.
وعلوم الانسان وتجريباته وأبحاثه يستحيل أن تتناول شيئاً لا يعرفه ولا
____________
(1) مقتبس من كتاب كشف الغطاء: 5 للشيخ الكبير كاشف الغطاء.

================
( 180 )

يقع تحت تجربته واختباره إلاّ بعد موته وانتقاله من هذا العالم عالم الحس والتجربة
والبحث، فكيف ينتظر منه أن يحكم باستقلال تفكيره وتجربته بنفي هذا الشيء أو إثباته؟
فضلاً عن أن يتناول تفاصيله وخصوصياته، إلاّ إذا اعتمد على التكهّن والتخمين، أو
على الاستبعاد والاستغراب، كما هو من طبيعة خيال الانسان أن يستغرب كل ما لم يألفه
ولم يتناوله علمه وحسّه، كالقائل المندفع بجهله لاستغراب البعث والمعاد (مَن يُحيي
العِظَـمَ وَهَيَ رَميمٌ)(1).
ولا سند لهذا الاستغراب إلاّ إنّه لم يرَ ميتاً رميماً قد اُعيدت له الحياة من
جديد، ولكنّه ينسى هذا المستغرب كيف خُلقت ذاته لاَول مرة، ولقد كان عدماً، وأجزاء
بدنه رميماً تألّفت من الاَرض وما حملت، ومن الفضاء وما حوى، من هنا وهنا، حتى صار
بشراً سوياً ذا عقل وبيان (أَوَ لَمْ يَرَ الاِِنسـنُ أَنَّا خلقنه مِن نُطفَةٍ
فَإذَا هُو خَصِيمٌ مُبينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسي خَلقَهُ)(2).
يقال لمثل هذا القائل الذي نسي خلق نفسه: (يُحييِها الَّذِي أَنشَأَهَا أَوّلَ
مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِ خَلقٍ عَليمٌ)(3).
يقال له: إنّك بعد أن تعترف بخالق الكائنات وقدرته، وتعترف بالرسول وما أخبر به،
مع قصور علمك حتى عن إدراك سرَّ خلق ذاتك وسر تكوينك، وكيف كان نموّك وانتقالك من
نطفة لا شعور لها ولا إرادة ولا عقل إلى مراحل متصاعدة مؤتلفاً من ذرات متباعدة؛
لتبلغ بشراً سوياً عاقلاً مدبّراً
____________
(1) يس 36: 78.
(2) يس 36: 77 ـ 78.
(3) يس 36: 79.

================
( 181 )
ذا شعور وأحساس(1)
يقال له: بعد هذا كيف تستغرب أن تعود لك الحياة من جديد بعد أن تصبح رميماً، وأنت
بذلك تحاول أن تتطاول إلى معرفة ما لا قِبل لتجاربك وعلومك بكشفه؟
يقال له: لا سبيل حينئذ إلاّ أن تذعن صاغراً للاعتراف بهذه الحقيقة التي أخبر عنها
مدبّر الكائنات العالم القدير، وخالقك من العدم والرميم.
وكلّ محاولة لكشف ما لا يمكن كشفه، ولا يتناوله علمك فهي محاولة باطلة، وضرب في
التيه، وفتح للعيون في الظلام الحالك.
إنّ الانسان مع ما بلغ من معرفة في هذه السنين الاَخيرة، فاكتشف الكهرباء والرادار
واستخدم الذرّة، إلى أمثال هذه الاكتشافات التي لو حُدِّث عنها في السنين الخوالي
لعدَّها من أوّل المستحيلات، ومن مواضع التندّر والسخرية. إنّه مع كل ذلك لم يستطع
كشف حقيقة الكهرباء ولا سر الذرّة، بل حتى حقيقة احدى خواصهما وأحد أوصافهما، فكيف
يطمع أن يعرف سر الخلقة والتكوين، ثم يترقّى فيريد أن يعرف سرَّ المعاد والبعث.
نعم، ينبغي للانسان بعد الايمان بالاسلام أن يتجنَّب عن متابعة الهوى، وأن يشتغل
فيما يصلح أمر آخرته ودنياه، وفيما يرفع قدره عند الله، وأن يتفكَّر فيما يستعين به
على نفسه، وفيما يستقبله بعد الموت من شدائد القبر والحساب بعد الحضور بين يدي
الملك العلاّم، وأن يتّقي (يوماً لا
____________
(1) فقد قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنا الاِْنسَـنَ مِنْ سُلَلَةٍ مِنْ طِينِ *
ثُمَّ جَعَلْنهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكين * ثُمَّ خَلَقْنا الْنُّطْفَةَ
عَلَقَةً فَخَلَقْنا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا الْمُضْغَةَ عِظَماً
فَكَسَوْنَا العِظَمَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأنهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَباركَ اللهُ
أَحْسَنُ الْخلِقِينَ) المؤمنون 23: 12 ـ 14.


================
( 182 )

تَجزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئاً وَلا يُقبَلُ مِنها شَفعةٌ وَلا يُؤخَذُ مِنها
عَدْلٌ ولا هُمْ يُنصَرون )(1)؟

شمعة آم البنين
04-21-2009, 01:30 AM
احسنت اخي وبارك الله فيك
الي الامام