القطيفي
10-09-2007, 05:37 AM
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)
سورة هود
قوله تعالى: «فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك و ضائق به صدرك» إلى آخر الآية، لما كانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أيدت به من القرآن الكريم و الآيات البينات و الحجج و البراهين مما لا يسع لذي عقل إنكارها و لا لإنسان صحيح المشاعر ردها و الكفر بها كان ما حكى من كفر الكافرين و إنكار المشركين أمرا مستبعدا بحسب الطبع، و إذا كان وقوع أمر على صفة من الصفات مستبعدا أخذ الإنسان في تقرير ذلك الأمر من غير مجرى الاستبعاد طلبا للمخرج من نسبة الوقوع إلى ما يستبعده الطبع.
و لما كان المقام في الآية الكريمة هذا المقام و كان ما حكاه الله سبحانه من كفر المنكرين و إنكار المشركين لما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم من الحق الصريح و ما أنزل إليه من كلام الله تعالى مع ما يتلوه من البينات و الحجج مما لا ينبغي أن يذعن به لبعده طبعا بين تعالى لذلك وجها بعد وجه على سبيل الترجي فقال: «و لعلك تارك بعض ما يوحى إليك» إلخ، «أم يقولون افتراه» إلخ.
فكأنه قيل: من المستبعد أن تهديهم إلى الحق الواضح و يسمعوا منك كلامي ثم لا يستجيبوا دعوتك و يكفروا بالحق بعد وضوحه فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك و غير داعيهم إليه و لذلك جبهوك بالإنكار أم يقولون إن القرآن ليس من كلام الله بل هو افتراء افتريته على الله و لذلك لم يؤمنوا به.
فإن كنت تركت بعض الوحي خوفا من اقتراحهم عليك الآيات فإنما أنت نذير و ليس لك إلا ما شاء الله، و أن يقولوا افتراه فقل لهم يأتوا بعشر سور مثله مفتريات «إلخ».
و مما تقدم يظهر أن إيراد الكلام مورد الترجي و الاحتمال لرعاية ما يقتضيه المقام من طبع الاستبعاد فالمقام مقام الاستبعاد و مقتضاه ذكر كل سبب محتمل التأثير في الحادثة المستبعدة، اعتبر ذلك في ملك ينتهي إليه تمرد بعض ضعفاء رعيته فيبعث بعض عماله إلى دعوتهم إلى السمع و الطاعة و يكتب في ذلك كتابا يأمره أن يقرأه عليهم و يلومهم على تمردهم و استكبارهم على ما بهم من الضعف و الذلة و لمولاهم من القوة و السطوة و العزة ثم يبلغ الملك أنهم ردوا على رسوله ما بلغهم من قبله، و يكتب إليه كتابا ثانيا يأمره بقراءته عليهم و إذا فيه: لعلك لم تقرأ كتابي عليهم مخافة أن يقترحوا عليك بما لا تقدر عليه أو أنهم زعموا أن الكتاب ليس من قبلي و إنما افتريته علي افتراء فإن كان الأول فإنك رسول ليس عليك إلا البلاغ و إن كان الثاني فإن الكتاب بخطي كتبته بيدي و ختمت عليه بخاتمي و لا يقدر أحد غيري أن يقلدني في ذلك.
و التأمل في هذا المثال يعطي أن المقام فيما يتضمنه الكتاب الثاني من الخطاب مقام الاستبعاد و أن القصد من ذكر الاحتمالين ترك الإبلاغ و زعم الافتراء ليس هو توبيخ الرسول جدا أو احتمال زعمهم الكذب و الفرية جدا، و إنما ذكر الوجهان لداعي أن يكونا كالمقدمة لذكر ما يزول به الشبهتان و هو أن الرسول ليس له من الأمر شيء حتى يقترح، عليه بما يقترح و أن الكتاب للملك ليس فيه ريب و لا شك.
و من هنا يظهر أن قوله تعالى: «فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك و ضائق به صدرك» إلخ، ليس يفيد الترجي الجدي و لا مسوقا لتوبيخ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و لا مرادا به تسليته و تطييب نفسه إثر ما كان يناله من الحزن و الأسى بكفرهم و جحودهم لما أتى به من الحق الصريح بل الكلام مسوق ليتوصل به إلى ذكر قوله: «إنما أنت نذير و الله على كل شيء وكيل».
فما ذكره بعض المفسرين أن الكلام مسرود لنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحزن و ضيق الصدر بما كانوا يواجهونه به من الكفر و الجحود، و النهي نهي تسلية و تطييب للنفس نظير ما في قوله: «و لا تحزن عليهم و لا تك في ضيق مما يمكرون:» النحل: - 127، و قوله: «لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين:» الشعراء: - 4 كلام ليس في محله.
و يظهر أيضا أن قوله: «فلعلك تارك» إلخ، و قوله: «أم يقولون افتراه» إلخ، كشقي الترديد و يتصلان معا بما قبلهما من وجه واحد كما ذكرناه.
و قوله: «تارك بعض ما يوحى إليك» إنما ذكر البعض لأن الآيات السابقة متضمنة لتبليغ الوحي في الجملة أي لعلك تركت بعض ما أوحينا إليك من القرآن فما تلوته عليهم فلم ينكشف لهم الحق كل الانكشاف حتى لا يجبهوك بما جبهوك به من الرد و الجحود، و ذلك أن القرآن بعضه يوضح بعضا و شطر منه يقرب شطرا منه من القبول كآيات الاحتجاج توضح الآيات المشتملة على الدعاوي، و آيات الثواب و العقاب تقرب الحق من القبول بالتطميع و التخويف، و آيات القصص و العبر تستميل النفوس و تلين القلوب.
و قوله: «و ضائق به صدرك أن يقولوا» إلخ، قال في المجمع، ضائق و ضيق بمعنى واحد إلا أن ضائق هاهنا أحسن لوجهين: أحدهما: أنه عارض و الآخر أنه أشكل بقوله تارك انتهى.
و الظاهر أن ضمير «به» راجع إلى قوله: «بعض ما يوحى» و إن ذكر بعضهم أن الضمير راجع إلى قولهم: «لو لا أنزل عليه كنز» إلخ، أو إلى اقتراحهم و هذا أوفق بكون قوله «أن يقولوا» إلخ، بدلا من الضمير في «به» و ما ذكرناه أوفق بكونه مفعولا له لقوله: «تارك» و التقدير: لعلك تارك ذلك مخافة أن يقولوا: لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك.
و قوله: «إنما أنت نذير» جواب عن اقتراحهم بقولهم: لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، و قد تكرر في مواضع من كلامه تعالى ذكر ما اقترحوه اقتصر في بعضها على ذكر مجيء الملك و زيد في بعضها عليه غيره كاقتراح الإتيان بالله سبحانه ليشهد على الرسالة و أن يكون له جنة يأكل منها و أن ينزل من السماء كتابا يقرءونه.
و قد أجاب الله سبحانه عنها جميعا بمثل ما أجاب به هاهنا و هو أن رسوله ليس له إلا الرسالة فليس بيده و هو بشر رسول أن يجيبهم إلى ما اقترحوا به عليه إلا أن يشاء الله في ذلك شيئا و يأذن في إتيان آية كما قال: «و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله:» المؤمن: - 78.
ثم عقب قوله: «إنما أنت نذير» بقوله: «و الله على كل شيء وكيل» لتتميم الجواب عن اقتراحهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمعجزات و محصله: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر مثلهم و لم يؤمر إلا بالإنذار و هو الرسالة بإعلام الخطر، و القيام بالأمور كلها و تدبيرها سواء كانت جارية على العادة أو خارقة لها إنما هو إلى الله سبحانه فلا وجه لتعلقهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما ليس إليه.
و ذلك أن الله سبحانه هو الموجد للأشياء كلها و فاطرها و هو القائم على كل شيء فيما يجري عليه من النظام فما من شيء إلا و هو تعالى المبدأ في أمره و شأنه و المنتهى سواء الأمور الجارية على العادة و الخارقة لها فهو تعالى الذي يسلم إليه أمره و يدبر شأنه فهو تعالى الوكيل عليه فإن الوكيل هو الذي يسلم إليه الأمر و ينفذ فيه منه الحكم فهو تعالى على كل شيء وكيل.
و بذلك يظهر أن قوله: «و الله على كل شيء وكيل» بمعونة من قوله: «إنما أنت نذير» يفيد قصر القلب فإنهم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرا ليس إليه و إنما هو إلى الله تعالى.
قوله تعالى: «أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور» قد تقدم من الكلام ما يصح به أخذ «أم» متصلة لكون قوله: «فلعلك تارك» إلخ، في معنى الاستفهام، و التقدير: أ فأنت تارك بعض ما يوحى إليك خوفا من اقتراحهم المعجزة أم يقولون إنك افتريته علينا فإن من المستبعد أن يقرأ عليهم كلامي ثم لا يؤمنوا به و قيل: إن أم مقطعة و المعنى: بل يقولون افتراه.
سورة هود
قوله تعالى: «فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك و ضائق به صدرك» إلى آخر الآية، لما كانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أيدت به من القرآن الكريم و الآيات البينات و الحجج و البراهين مما لا يسع لذي عقل إنكارها و لا لإنسان صحيح المشاعر ردها و الكفر بها كان ما حكى من كفر الكافرين و إنكار المشركين أمرا مستبعدا بحسب الطبع، و إذا كان وقوع أمر على صفة من الصفات مستبعدا أخذ الإنسان في تقرير ذلك الأمر من غير مجرى الاستبعاد طلبا للمخرج من نسبة الوقوع إلى ما يستبعده الطبع.
و لما كان المقام في الآية الكريمة هذا المقام و كان ما حكاه الله سبحانه من كفر المنكرين و إنكار المشركين لما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم من الحق الصريح و ما أنزل إليه من كلام الله تعالى مع ما يتلوه من البينات و الحجج مما لا ينبغي أن يذعن به لبعده طبعا بين تعالى لذلك وجها بعد وجه على سبيل الترجي فقال: «و لعلك تارك بعض ما يوحى إليك» إلخ، «أم يقولون افتراه» إلخ.
فكأنه قيل: من المستبعد أن تهديهم إلى الحق الواضح و يسمعوا منك كلامي ثم لا يستجيبوا دعوتك و يكفروا بالحق بعد وضوحه فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك و غير داعيهم إليه و لذلك جبهوك بالإنكار أم يقولون إن القرآن ليس من كلام الله بل هو افتراء افتريته على الله و لذلك لم يؤمنوا به.
فإن كنت تركت بعض الوحي خوفا من اقتراحهم عليك الآيات فإنما أنت نذير و ليس لك إلا ما شاء الله، و أن يقولوا افتراه فقل لهم يأتوا بعشر سور مثله مفتريات «إلخ».
و مما تقدم يظهر أن إيراد الكلام مورد الترجي و الاحتمال لرعاية ما يقتضيه المقام من طبع الاستبعاد فالمقام مقام الاستبعاد و مقتضاه ذكر كل سبب محتمل التأثير في الحادثة المستبعدة، اعتبر ذلك في ملك ينتهي إليه تمرد بعض ضعفاء رعيته فيبعث بعض عماله إلى دعوتهم إلى السمع و الطاعة و يكتب في ذلك كتابا يأمره أن يقرأه عليهم و يلومهم على تمردهم و استكبارهم على ما بهم من الضعف و الذلة و لمولاهم من القوة و السطوة و العزة ثم يبلغ الملك أنهم ردوا على رسوله ما بلغهم من قبله، و يكتب إليه كتابا ثانيا يأمره بقراءته عليهم و إذا فيه: لعلك لم تقرأ كتابي عليهم مخافة أن يقترحوا عليك بما لا تقدر عليه أو أنهم زعموا أن الكتاب ليس من قبلي و إنما افتريته علي افتراء فإن كان الأول فإنك رسول ليس عليك إلا البلاغ و إن كان الثاني فإن الكتاب بخطي كتبته بيدي و ختمت عليه بخاتمي و لا يقدر أحد غيري أن يقلدني في ذلك.
و التأمل في هذا المثال يعطي أن المقام فيما يتضمنه الكتاب الثاني من الخطاب مقام الاستبعاد و أن القصد من ذكر الاحتمالين ترك الإبلاغ و زعم الافتراء ليس هو توبيخ الرسول جدا أو احتمال زعمهم الكذب و الفرية جدا، و إنما ذكر الوجهان لداعي أن يكونا كالمقدمة لذكر ما يزول به الشبهتان و هو أن الرسول ليس له من الأمر شيء حتى يقترح، عليه بما يقترح و أن الكتاب للملك ليس فيه ريب و لا شك.
و من هنا يظهر أن قوله تعالى: «فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك و ضائق به صدرك» إلخ، ليس يفيد الترجي الجدي و لا مسوقا لتوبيخ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و لا مرادا به تسليته و تطييب نفسه إثر ما كان يناله من الحزن و الأسى بكفرهم و جحودهم لما أتى به من الحق الصريح بل الكلام مسوق ليتوصل به إلى ذكر قوله: «إنما أنت نذير و الله على كل شيء وكيل».
فما ذكره بعض المفسرين أن الكلام مسرود لنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحزن و ضيق الصدر بما كانوا يواجهونه به من الكفر و الجحود، و النهي نهي تسلية و تطييب للنفس نظير ما في قوله: «و لا تحزن عليهم و لا تك في ضيق مما يمكرون:» النحل: - 127، و قوله: «لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين:» الشعراء: - 4 كلام ليس في محله.
و يظهر أيضا أن قوله: «فلعلك تارك» إلخ، و قوله: «أم يقولون افتراه» إلخ، كشقي الترديد و يتصلان معا بما قبلهما من وجه واحد كما ذكرناه.
و قوله: «تارك بعض ما يوحى إليك» إنما ذكر البعض لأن الآيات السابقة متضمنة لتبليغ الوحي في الجملة أي لعلك تركت بعض ما أوحينا إليك من القرآن فما تلوته عليهم فلم ينكشف لهم الحق كل الانكشاف حتى لا يجبهوك بما جبهوك به من الرد و الجحود، و ذلك أن القرآن بعضه يوضح بعضا و شطر منه يقرب شطرا منه من القبول كآيات الاحتجاج توضح الآيات المشتملة على الدعاوي، و آيات الثواب و العقاب تقرب الحق من القبول بالتطميع و التخويف، و آيات القصص و العبر تستميل النفوس و تلين القلوب.
و قوله: «و ضائق به صدرك أن يقولوا» إلخ، قال في المجمع، ضائق و ضيق بمعنى واحد إلا أن ضائق هاهنا أحسن لوجهين: أحدهما: أنه عارض و الآخر أنه أشكل بقوله تارك انتهى.
و الظاهر أن ضمير «به» راجع إلى قوله: «بعض ما يوحى» و إن ذكر بعضهم أن الضمير راجع إلى قولهم: «لو لا أنزل عليه كنز» إلخ، أو إلى اقتراحهم و هذا أوفق بكون قوله «أن يقولوا» إلخ، بدلا من الضمير في «به» و ما ذكرناه أوفق بكونه مفعولا له لقوله: «تارك» و التقدير: لعلك تارك ذلك مخافة أن يقولوا: لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك.
و قوله: «إنما أنت نذير» جواب عن اقتراحهم بقولهم: لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، و قد تكرر في مواضع من كلامه تعالى ذكر ما اقترحوه اقتصر في بعضها على ذكر مجيء الملك و زيد في بعضها عليه غيره كاقتراح الإتيان بالله سبحانه ليشهد على الرسالة و أن يكون له جنة يأكل منها و أن ينزل من السماء كتابا يقرءونه.
و قد أجاب الله سبحانه عنها جميعا بمثل ما أجاب به هاهنا و هو أن رسوله ليس له إلا الرسالة فليس بيده و هو بشر رسول أن يجيبهم إلى ما اقترحوا به عليه إلا أن يشاء الله في ذلك شيئا و يأذن في إتيان آية كما قال: «و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله:» المؤمن: - 78.
ثم عقب قوله: «إنما أنت نذير» بقوله: «و الله على كل شيء وكيل» لتتميم الجواب عن اقتراحهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمعجزات و محصله: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر مثلهم و لم يؤمر إلا بالإنذار و هو الرسالة بإعلام الخطر، و القيام بالأمور كلها و تدبيرها سواء كانت جارية على العادة أو خارقة لها إنما هو إلى الله سبحانه فلا وجه لتعلقهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما ليس إليه.
و ذلك أن الله سبحانه هو الموجد للأشياء كلها و فاطرها و هو القائم على كل شيء فيما يجري عليه من النظام فما من شيء إلا و هو تعالى المبدأ في أمره و شأنه و المنتهى سواء الأمور الجارية على العادة و الخارقة لها فهو تعالى الذي يسلم إليه أمره و يدبر شأنه فهو تعالى الوكيل عليه فإن الوكيل هو الذي يسلم إليه الأمر و ينفذ فيه منه الحكم فهو تعالى على كل شيء وكيل.
و بذلك يظهر أن قوله: «و الله على كل شيء وكيل» بمعونة من قوله: «إنما أنت نذير» يفيد قصر القلب فإنهم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرا ليس إليه و إنما هو إلى الله تعالى.
قوله تعالى: «أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور» قد تقدم من الكلام ما يصح به أخذ «أم» متصلة لكون قوله: «فلعلك تارك» إلخ، في معنى الاستفهام، و التقدير: أ فأنت تارك بعض ما يوحى إليك خوفا من اقتراحهم المعجزة أم يقولون إنك افتريته علينا فإن من المستبعد أن يقرأ عليهم كلامي ثم لا يؤمنوا به و قيل: إن أم مقطعة و المعنى: بل يقولون افتراه.