الضلع المكسور
07-06-2008, 04:42 AM
السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)
1- فاطمـة الوليدة :
في ظلال أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين أحضان أمها الطاهرة، خديجة بنت خويلد ابن أسد، ولدت فاطمة الزهراء في مكة المكرمة في يوم الجمعة في العشري من شهر جمادي الآخرة. (لقد اختلف المؤرخون في سنة ميلاد فاطمة، فقال بعضهم: أنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين، وقال بعض آخر: أنها ولدت بعد البعثة بخمس سنين، وروى بعضهم: أنها ولدت بعد البعثة بسنة أو سنتين، والأرجح أنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين، لأن عمر خديجة يكون مع هذا التاريخ خمسين سنة وهو أعلى سنة للولادة كما نقل الفقيه الشهيد السيد محمد باقر الصدر في رسالته الفقهية (الفتاوى الواضحة) ص138، ج1، ط2(السيد محسن الأمين، المجالس السنية، ج5، ص53، ط6)).
فاستقبل رسول الله ابنته الحبيبة بالفرح والرضا وسماها (فاطمة).. لقد أثمرت شجرة النبوة، وأذن الله لدوحة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أن تمتد فروعها، وتستطيل آفاقها بميلاد فاطمة في أجيال هذه الأمة.
لقد ولدت فاطمة، وهي تحمل روح رسول الله، وصفاته، وأخلاقه، فكانت الوارث والشبيه، إذ لم يكن في الدنيا أحد يماثل رسول الله في صفته وشمائله كفاطمة، ولقد لفتت هذه العلاقة والرابطة بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابنته فاطمة أنظار الذين عايشوها، فتحدثوا عن ذلك الشبه، وكرروا القول فيه، فهذه زوج رسول الله أم المؤمنين عائشة تتحدث عن هذه العلاقة والرابطة الجسدية والروحية والأخلاقية بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابنته فاطمة فتقول: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً، ودلاً وهديا برسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قيامها، وقعودها، من فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)...). (السيد مرتضى الحسيني الفيروز آبادي، فضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج3، ص127، ط3)
وروت عائشة أيضاً: (ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله...). (المصدر نفسه، عن مستدرك الصحيحين ج3، ص154)
لقد ملأت فاطمة بيت الأبوين رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وزوجته خديجة بالبهجة والسرور، فهي ملتقى الحب بينهما، وثمرة العلاقة الودية في حياتهما، وفرع النبوة الشامخ، وظله المستطيل، ومستودع نور النبوة المتقلب في أصلاب الساجدين، فحق لهذا البيت أن يزهو بمناغاة فاطمة، ويمتلئ سروراً بابتساماتها المشرقة الوليدة.
2- فاطمـة البنت ( ع ) :
وهكذا ولدت فاطمة، ودرجت في بيت النبوة، وترعرعت في ظلال الوحي، ورضعت مع لبن خديجة، حب الإيمان، ومكارم الأخلاق.. وحنان الأب الرسول (صلّى الله عليه وآله) والأم، أم المؤمنين الطاهرة، وهكذا عاشت فاطمة في ظلال هذا الجو الروحي، والسمو العائلي، وتشبعت روحها بالحنان النبوي الكريم.
وشاء الله تعالى أن تبدأ فاطمة طفولتها الطاهرة، في مرحلة من أشد مراحل الدعوة الإسلامية ضراوة ومحنة، وأكثرها قسوة وأذى لأمها وأبيها..
لقد ولدت فاطمة في حدة الصراع بين الإسلام والجاهلية، وفتحت عينيها في ضراوة الجهاد بين الطليعة المؤمنة، وقريش الوثنية الجائرة.. وهاهي قريش تفرض المقاطعة والحصار على رسول الله، وأعمامه بني هاشم، وأصحابه من الدعاة وطلائع الجهاد، فيدخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شعب أبي طالب، وتدخل معه زوجته المجاهدة رفيقة حياته، وشريكته في جهاده وتدخل معهم فاطمة، وتحاصرهم قريش ثلاث سنين، في هذا الشعب، ذاق (صلّى الله عليه وآله) ومن معه فيه شظف العيش، وقساوة المقاطعة، ومرارة الجوع والحرمان، دفاعاً عن الحق وتضحية من أجل المبدأ، وكانت بداية هذا الحصار في السنة السابعة بعد البعثة النبوية..، وبذا عاشت الزهراء الحصار، وذاقت في طفولتها مرارة الجهاد، وألم الكفاح..
وتمر سنين الحصار، صعبة ثقيلة، ويخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن معه من الحصار والمقاطعة، وقد كتب الله تعالى لهم النصر والغلبة، وتخرج خديجة وقد أثقلتها السنون، وأرهقها عناء الحصار والحرمان.. وهاهي قد بلغت الخامسة والستين من عمرها الجهادي المشرق، وحياتها المثالية الفريدة في دنيا المرأة.. لقد قرب أجل خديجة.. وشاء الله تعالى أن يختارها لجواره.. فتتوفى في ذلك العام، الذي خرج فيه المسلمون من الحصار، وكان العام العاشر من البعثة..
وتوفي في العام ذاته أبو طالب عم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وحامي الدعوة الإسلامية، وناصر الإسلام، ولقد شعر رسول الله بالحزن والأسى.. وأحس بالفراق والوحشة.. أنه فقد الحبيب والعون والمواسي، فقد خديجة، زوجته، وحبيبته وعونه، وفقد عمه، الحامي والمدافع عنه.. فسمى ذلك العام بعام الحزن، حقاً إنه عام الأحزان.. عام فقد فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحب الناس إلى قلبه، وأكثرهم عطفاً عليه..
وليس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحده هو الذي رزئ في ذلك العام، بل وفاطمة الصبية الصغيرة التي لم تشبع من حنان الأمومة، وعطف الوالدة بعد.. فقد شاطرته هذه المأساة، ورزئت هي الأخرى، فشملتها المحنة في ذلك العام الحزين.. عام الألم والمأساة، وشعرت بغمامة الحزن واليتم تخيم على حياتها الطاهرة...
لقد فقدت أمها، وفارقت مصدر حبها وحنانها.. فشعرت بالألم والفراق وغياب الأم يملأ قلبها، ويحز في نفسها، فتسأل أباها بلهفة وحزن: (أبي، أبي، أين أمي، أين أمي؟!) ثم تفيض الحزن دموعاً.. والفراق حسرة.
ويحس الأب الرسول (صلّى الله عليه وآله) بوطأة الحزن على نفس فاطمة (عليها السلام)، ويرى دموع الفراق تتسابق على خديها، فيرق القلب الرحيم، وتفيض مشاعر الود والأبوة الصادقة، فيحنو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على فاطمة، يعوضها من حبه وحنانه ما فقدته في أمها، من حب ورعاية وحنان..
لقد أحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة وأحبته، وحنا عليها، وحنت عليه، فلم يكن أحد أحب إلى قلبه ولا إنسان أقرب إلى نفسه من فاطمة.. لقد أحبها وصاغ حبه لها، وقربها منه؛ أوسمة شرف، وعبارات خلود، فكان يؤكد كلما وجد ذلك ضرورياً هذه العلاقة بفاطمة، ويوضح مقامها ومكانتها في أمته، وهو يمهد لأمر عظيم، وقدر خطير، يرتبط بفاطمة، وبالذرية الطاهرة التي أعقبتها فاطمة، وبالأمة الإسلامية كلها.. كان يؤكد ذلك ليعرف المسلمون مقام فاطمة، ومكانة الأئمة من ذريتها، ليعطوا فاطمة حقها، ويحفظوا لها مكانتها، ويرعوا الذرية الطاهرة حق رعايتها..
فها هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعرّف فاطمة، ويؤكد للمسلمين: (فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني) (الفيروز آبادي، المصدر السابق، ج3، ص151)
(إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها). (المصدر نفسه)
ويسأل الإمام علي (عليه السلام) رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيقول: (يا رسول الله أي أهلك أحب إليك، قال: فاطمة بنت محمد..).
إن قولة الرسول (صلّى الله عليه وآله) هذه ليست عاطفية بقدر ما هي توجيه للأمة نحو هذه المرأة الأسوة القدوة.
وتكبر فاطمة وتشب، ويشب معها حب أبيها لها، ويزداد حنانه عليها، وتبادله فاطمة هذا الحب، وتملأ قلبه بالعطف والرعاية فيسميها (أم أبيها).
لقد كانت تحنو عليه (صلّى الله عليه وآله) حنو الأمهات على أبنائهن، وترعاه رعاية الوالدات لصغارهن.
انه النموذج القدوة من العلاقة الأبوية الطاهرة التي تساهم في بناء شخصية الأبناء، وتوجه سلوكهم وحياتهم، وتملأ نفوسهم بالحب والحنان، لقد كانت هذه العلاقة هي المثل الأعلى في رعاية الإسلام للفتاة والعناية بها، وتحديد مكانتها.
3- فاطمـة المهاجرة ( ع ) :
الجاهلية في كل عصر وجيل، مرض فكري وأخلاقي، يعبث بعقل الإنسان، ووعيه ونفسه، فيصده عن الحق، ويحرفه عن الاستقامة، وحبب له العيش في مستنقع الرذيلة، والتحرك في صحارى التيه والظلام، لذلك فهو يعشو عن دعوة الحق، ويصم أذنيه عن سماع الهدى..
وهكذا كانت قريش.. ولذا سعت وبكل جهدها لتتخلص من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فائتمر قادة الجاهلية، وأئمة الشرك، وقرروا قتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والتخلص منه، بعد أن يئسوا من إخماد صوته، وإطفاء أنوار دعوته..
وشاء الله تعالى غير ذلك.. شاء الله تعالى أن يتم نوره، وينصر نبيه (صلّى الله عليه وآله)، ويظهر دعوته، فأمره بالهجرة.. والانتقال من أرض مكة إلى يثرب.. ولم يكن الانتقال من مكة والبحث عن أرض جديدة حادثاً أولدته مؤامرة القتل، بل كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يمهد لذلك، ويبحث عن منطلق آخر لنشر دعوته، وبناء مجتمع الرسالة، فكان من قبل قد ذهب إلى الطائف، ولم يحظ أهلها ـ ثقيف ـ بنصرته، والاستجابة لدعوته، فردوه، ورفضوا تصديقه، وأساءوا إليه، وأمروا عبيدهم وسفهاءهم أن يرموه بالحجارة، فأخرجوه بالسخرية والأذى من قريتهم، فتركهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخرج، ثم عاد إلى مكة، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتصل بالحجاج القادمين من قبائل العرب إلى مكة، ويعرض عليهم دعوته، وشاء الله تعالى أن تكون يثرب هي الناصر والمنطلق، فيلتقي بأهلها، ويتجه نظره نحوها، ويزداد اهتمامه بها، ويواصل نشر دعوته فيها، فكان هذا الإعداد والبناء الرسالي في المدينة المنورة، هو الذي مكن الرسول (صلّى الله عليه وآله) من الانتقال إليها، عندما تآمرت قريش على قتله، فهاجر (صلّى الله عليه وآله) كما هاجر إبراهيم وموسى (عليهما السلام) من قبل.. خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من مكة مستخفياً بظلام الليل، تاركاً وطنه وأحبائه وأهله، وفيهم فاطمة ابنته الحبيبة، وابن عمه علي بن أبي طالب (عليه السلام) عونه وسنده، وسيفه الضارب المقدام، وفدائيه الشجاع.. لقد ترك علياً نائماً في فراشه، وأوصاه أن يرد الأمانات التي كانت عنده ـ عند النبي ـ إلى أهلها.. ثم أمره أن يلتحق به، أن يهاجر إلى يثرب، ويصطحب معه أهل بيته.. وينفذ علي الوصية، ويشتري الركائب لحمل النسوة، ويجمع أهله وعياله، ويلتئم شمل الركب الهاشمي المهاجر بقيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فيضم الفواطم، فاطمة الزهراء بنت محمد (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة بنت أسد ابن هاشم، أم الإمام علي، ومربية رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وفاطمة بنت حمزة، والتحق بهم أيمن، وأبو واقد الليثي..
ويخرج الركب، ويستحث المهاجرون السير، ويسوق أبو واقد المطايا سوقاً حثيثاً، مخافة أن تلحق قريش بالركب.. فينظر الإمام علي (عليه السلام) إلى النسوة، ويرفق بهن، فيقول لأبي واقد: (ارفق بالنسوة يا أبا واقد).
.. ويمضي الركب عبر صحراء الجزيرة يغذ السير، ويصحر في وضح النهار، بتحد واستهانة بكبرياء قريش وغرورها.. فإنّه يستظل بسيف علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قاهر الجاهلية، ومحطم أصنامها وصلفها، خرج علي (عليه السلام) بالركب، لا كما خرج غيره من المهاجرين المستضعفين تحت جنح الظلام، أو في غفلة من رقابة قريش.. إنه خرج متحدياً لقريش، مستهيناً بخيلائها وعنتها، إنه يريد أن يضرب معنوياتها وكبرياءها بعزته الجهادية الفذة، ويضع الخطوة الأولى على طريق التحدي في مرحلة الصراع الجديدة التي بدأها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقرار الهجرة..
وتحس قريش بالجرح عميقاً في قلب كبريائها، إن ابن أبي طالب تحدى إرهابها وقوتها وطغيانها، وخرج في وضح النهار.. ماذا يعني هذا الموقف من علي؟ ولماذا يخرج بهذه العلنية بركب أهل بيت النبوة..؟
أليس هو التحدي والاستهانة بقريش ومقاومتها وتصديها؟ إنه كذلك..، لذا فقد قررت قريش إرسال ثمانية من فرسانها لقتل علي (عليه السلام)، والتعرض لركب النبوة المهاجر، فيدركون علياً (عليه السلام) والركب قرب ضجنان، ويأمر علي الرجلين الذي كانا معه أن يبتعدا بالإبل ويعقلاها، ثم تقدم هو إلى النسوة فأنزلهن، ويستقبل العصابة بسيفه.. إنه يعرف لغة الجاهلية، ووسائل إرغامها، فيخاطبها بالذي تفهم، فيواجهونه بالكلمات الجارحة: (أظننت يا غدار أنك ناج بالنسوة، أرجع، لا أباً لك، فقال علي (عليه السلام): فإن لم أفعل؟ قالوا: لترجعن راغماً، ودنوا من المطايا ليثوروها، فحال علي (عليه السلام) بينهم وبينها، فأهوى له جناح (هو مملوك لحرب ابن أمية!!) فراغ عن ضربته، وضرب جناحاً على عاتقه فقدّه نصفين، حتى دخل السيف إلى كتف فرسه، وشدّ على أصحابه، وهو على قدميه، شدة ضيغم وهو يقول:
خلوا سبيل الجاهد المجاهد***آليت لا أعبد غير الواحد
فتفرق القوم عنه، وقالوا أحبس نفسك عنا يا بن أبي طالب، فقال لهم: (إني منطلق إلى أخي وابن عمي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فمن سره أفري لحمه، وأريق دمه فليدن مني). (الحسيني، المصدر السابق، ص259)
وهكذا فرت فرسان قريش، ولحقت بها أول هزيمة عسكرية يشتبك فيها مسلم مع قريش، فهي أول معركة تتخذ طابع المواجهة القتالية المسلحة بين المؤمنين والمشركين..
ثم التفت علي المنتصر إلى صاحبيه أيمن وأبي واقد، وقال لهما: أطلقا مطاياكم.. ثم واصل السير، حتى وصل ضجنان، فنزل فيها، ثم أقام يومه وليلته، فلحقت به أم أيمن، ونفر من المستضعفين وراح ركب علي وفاطمة الظافر يستحث الخطى، وشوقه إلى لقاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أكثر سرعة وعجالة.. فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد وصل يثرب وحل بقبا، فأقام فيها ينتظر وصول علي وفاطمة، ومن صاحب الركب النبوي المهاجر، أقام بقبا وكان يقول لأبي بكر الذي طلب منه الدخول إلى المدينة: (ما أنا بداخلها، حتى يقدم ابن عمي وابنتي). (المصدر السابق، ص258)
ويواصل علي سيره ليلاً، ويكمن نهاراً يواصل السير على قدميه، من دون أن يركب ظهراً، أو يستخدم دابة، فيطوى الأرض ما بين مكة والمدينة على قدميه (المسافة بين مكة والمدينة حوالي: 450 كم)، حتى تفطرت قدماه وتورمتا من شدة السير، ويصل الركب قبا، ويسر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسلامة الوصول، ولقاء الأحبة، ثم يقول: (أدع لي علياً، قيل: لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبي (صلّى الله عليه وآله) واعتنقه وبكى، رحمة به، لما بقدميه من الورم، وتفل في يديه، وأمرّهما على قدميه، فلم يشتكيهما بعد حتى قتل). (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2، ص206)
لقد عظم هذا الموقف في نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما كان عظيماً عند الله سبحانه، فاستحق أن يخلد، وأن يكون نموذجاً وقدوة جهادية وعقائدية لأجيال المسلمين.
ومن هنا جاء تخليد الوحي له، ونزول القرآن فيه وصفاً وتعظيماً (.. فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل عمران: 195). (العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج4، ص91، ط3)
إنه فك ارتباطه بالأرض، وهاجر إلى الله تعالى.. إنه قطع صلته بالديار وسار نحو الله تعالى.. إنه أعرض عن الأهل والعشيرة في أشد ظروف المحنة، وتجرد لتحمل الأذى والمشاق، والتعب والعناء في سبيل الله تعالى.. واستجابة لله تعالى وطلباً لمرضاته.. وطاعة لرسوله (صلّى الله عليه وآله).
يتبع .,.,
1- فاطمـة الوليدة :
في ظلال أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين أحضان أمها الطاهرة، خديجة بنت خويلد ابن أسد، ولدت فاطمة الزهراء في مكة المكرمة في يوم الجمعة في العشري من شهر جمادي الآخرة. (لقد اختلف المؤرخون في سنة ميلاد فاطمة، فقال بعضهم: أنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين، وقال بعض آخر: أنها ولدت بعد البعثة بخمس سنين، وروى بعضهم: أنها ولدت بعد البعثة بسنة أو سنتين، والأرجح أنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين، لأن عمر خديجة يكون مع هذا التاريخ خمسين سنة وهو أعلى سنة للولادة كما نقل الفقيه الشهيد السيد محمد باقر الصدر في رسالته الفقهية (الفتاوى الواضحة) ص138، ج1، ط2(السيد محسن الأمين، المجالس السنية، ج5، ص53، ط6)).
فاستقبل رسول الله ابنته الحبيبة بالفرح والرضا وسماها (فاطمة).. لقد أثمرت شجرة النبوة، وأذن الله لدوحة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أن تمتد فروعها، وتستطيل آفاقها بميلاد فاطمة في أجيال هذه الأمة.
لقد ولدت فاطمة، وهي تحمل روح رسول الله، وصفاته، وأخلاقه، فكانت الوارث والشبيه، إذ لم يكن في الدنيا أحد يماثل رسول الله في صفته وشمائله كفاطمة، ولقد لفتت هذه العلاقة والرابطة بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابنته فاطمة أنظار الذين عايشوها، فتحدثوا عن ذلك الشبه، وكرروا القول فيه، فهذه زوج رسول الله أم المؤمنين عائشة تتحدث عن هذه العلاقة والرابطة الجسدية والروحية والأخلاقية بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابنته فاطمة فتقول: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً، ودلاً وهديا برسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قيامها، وقعودها، من فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)...). (السيد مرتضى الحسيني الفيروز آبادي، فضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج3، ص127، ط3)
وروت عائشة أيضاً: (ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله...). (المصدر نفسه، عن مستدرك الصحيحين ج3، ص154)
لقد ملأت فاطمة بيت الأبوين رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وزوجته خديجة بالبهجة والسرور، فهي ملتقى الحب بينهما، وثمرة العلاقة الودية في حياتهما، وفرع النبوة الشامخ، وظله المستطيل، ومستودع نور النبوة المتقلب في أصلاب الساجدين، فحق لهذا البيت أن يزهو بمناغاة فاطمة، ويمتلئ سروراً بابتساماتها المشرقة الوليدة.
2- فاطمـة البنت ( ع ) :
وهكذا ولدت فاطمة، ودرجت في بيت النبوة، وترعرعت في ظلال الوحي، ورضعت مع لبن خديجة، حب الإيمان، ومكارم الأخلاق.. وحنان الأب الرسول (صلّى الله عليه وآله) والأم، أم المؤمنين الطاهرة، وهكذا عاشت فاطمة في ظلال هذا الجو الروحي، والسمو العائلي، وتشبعت روحها بالحنان النبوي الكريم.
وشاء الله تعالى أن تبدأ فاطمة طفولتها الطاهرة، في مرحلة من أشد مراحل الدعوة الإسلامية ضراوة ومحنة، وأكثرها قسوة وأذى لأمها وأبيها..
لقد ولدت فاطمة في حدة الصراع بين الإسلام والجاهلية، وفتحت عينيها في ضراوة الجهاد بين الطليعة المؤمنة، وقريش الوثنية الجائرة.. وهاهي قريش تفرض المقاطعة والحصار على رسول الله، وأعمامه بني هاشم، وأصحابه من الدعاة وطلائع الجهاد، فيدخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شعب أبي طالب، وتدخل معه زوجته المجاهدة رفيقة حياته، وشريكته في جهاده وتدخل معهم فاطمة، وتحاصرهم قريش ثلاث سنين، في هذا الشعب، ذاق (صلّى الله عليه وآله) ومن معه فيه شظف العيش، وقساوة المقاطعة، ومرارة الجوع والحرمان، دفاعاً عن الحق وتضحية من أجل المبدأ، وكانت بداية هذا الحصار في السنة السابعة بعد البعثة النبوية..، وبذا عاشت الزهراء الحصار، وذاقت في طفولتها مرارة الجهاد، وألم الكفاح..
وتمر سنين الحصار، صعبة ثقيلة، ويخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن معه من الحصار والمقاطعة، وقد كتب الله تعالى لهم النصر والغلبة، وتخرج خديجة وقد أثقلتها السنون، وأرهقها عناء الحصار والحرمان.. وهاهي قد بلغت الخامسة والستين من عمرها الجهادي المشرق، وحياتها المثالية الفريدة في دنيا المرأة.. لقد قرب أجل خديجة.. وشاء الله تعالى أن يختارها لجواره.. فتتوفى في ذلك العام، الذي خرج فيه المسلمون من الحصار، وكان العام العاشر من البعثة..
وتوفي في العام ذاته أبو طالب عم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وحامي الدعوة الإسلامية، وناصر الإسلام، ولقد شعر رسول الله بالحزن والأسى.. وأحس بالفراق والوحشة.. أنه فقد الحبيب والعون والمواسي، فقد خديجة، زوجته، وحبيبته وعونه، وفقد عمه، الحامي والمدافع عنه.. فسمى ذلك العام بعام الحزن، حقاً إنه عام الأحزان.. عام فقد فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحب الناس إلى قلبه، وأكثرهم عطفاً عليه..
وليس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحده هو الذي رزئ في ذلك العام، بل وفاطمة الصبية الصغيرة التي لم تشبع من حنان الأمومة، وعطف الوالدة بعد.. فقد شاطرته هذه المأساة، ورزئت هي الأخرى، فشملتها المحنة في ذلك العام الحزين.. عام الألم والمأساة، وشعرت بغمامة الحزن واليتم تخيم على حياتها الطاهرة...
لقد فقدت أمها، وفارقت مصدر حبها وحنانها.. فشعرت بالألم والفراق وغياب الأم يملأ قلبها، ويحز في نفسها، فتسأل أباها بلهفة وحزن: (أبي، أبي، أين أمي، أين أمي؟!) ثم تفيض الحزن دموعاً.. والفراق حسرة.
ويحس الأب الرسول (صلّى الله عليه وآله) بوطأة الحزن على نفس فاطمة (عليها السلام)، ويرى دموع الفراق تتسابق على خديها، فيرق القلب الرحيم، وتفيض مشاعر الود والأبوة الصادقة، فيحنو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على فاطمة، يعوضها من حبه وحنانه ما فقدته في أمها، من حب ورعاية وحنان..
لقد أحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة وأحبته، وحنا عليها، وحنت عليه، فلم يكن أحد أحب إلى قلبه ولا إنسان أقرب إلى نفسه من فاطمة.. لقد أحبها وصاغ حبه لها، وقربها منه؛ أوسمة شرف، وعبارات خلود، فكان يؤكد كلما وجد ذلك ضرورياً هذه العلاقة بفاطمة، ويوضح مقامها ومكانتها في أمته، وهو يمهد لأمر عظيم، وقدر خطير، يرتبط بفاطمة، وبالذرية الطاهرة التي أعقبتها فاطمة، وبالأمة الإسلامية كلها.. كان يؤكد ذلك ليعرف المسلمون مقام فاطمة، ومكانة الأئمة من ذريتها، ليعطوا فاطمة حقها، ويحفظوا لها مكانتها، ويرعوا الذرية الطاهرة حق رعايتها..
فها هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعرّف فاطمة، ويؤكد للمسلمين: (فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني) (الفيروز آبادي، المصدر السابق، ج3، ص151)
(إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها). (المصدر نفسه)
ويسأل الإمام علي (عليه السلام) رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيقول: (يا رسول الله أي أهلك أحب إليك، قال: فاطمة بنت محمد..).
إن قولة الرسول (صلّى الله عليه وآله) هذه ليست عاطفية بقدر ما هي توجيه للأمة نحو هذه المرأة الأسوة القدوة.
وتكبر فاطمة وتشب، ويشب معها حب أبيها لها، ويزداد حنانه عليها، وتبادله فاطمة هذا الحب، وتملأ قلبه بالعطف والرعاية فيسميها (أم أبيها).
لقد كانت تحنو عليه (صلّى الله عليه وآله) حنو الأمهات على أبنائهن، وترعاه رعاية الوالدات لصغارهن.
انه النموذج القدوة من العلاقة الأبوية الطاهرة التي تساهم في بناء شخصية الأبناء، وتوجه سلوكهم وحياتهم، وتملأ نفوسهم بالحب والحنان، لقد كانت هذه العلاقة هي المثل الأعلى في رعاية الإسلام للفتاة والعناية بها، وتحديد مكانتها.
3- فاطمـة المهاجرة ( ع ) :
الجاهلية في كل عصر وجيل، مرض فكري وأخلاقي، يعبث بعقل الإنسان، ووعيه ونفسه، فيصده عن الحق، ويحرفه عن الاستقامة، وحبب له العيش في مستنقع الرذيلة، والتحرك في صحارى التيه والظلام، لذلك فهو يعشو عن دعوة الحق، ويصم أذنيه عن سماع الهدى..
وهكذا كانت قريش.. ولذا سعت وبكل جهدها لتتخلص من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فائتمر قادة الجاهلية، وأئمة الشرك، وقرروا قتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والتخلص منه، بعد أن يئسوا من إخماد صوته، وإطفاء أنوار دعوته..
وشاء الله تعالى غير ذلك.. شاء الله تعالى أن يتم نوره، وينصر نبيه (صلّى الله عليه وآله)، ويظهر دعوته، فأمره بالهجرة.. والانتقال من أرض مكة إلى يثرب.. ولم يكن الانتقال من مكة والبحث عن أرض جديدة حادثاً أولدته مؤامرة القتل، بل كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يمهد لذلك، ويبحث عن منطلق آخر لنشر دعوته، وبناء مجتمع الرسالة، فكان من قبل قد ذهب إلى الطائف، ولم يحظ أهلها ـ ثقيف ـ بنصرته، والاستجابة لدعوته، فردوه، ورفضوا تصديقه، وأساءوا إليه، وأمروا عبيدهم وسفهاءهم أن يرموه بالحجارة، فأخرجوه بالسخرية والأذى من قريتهم، فتركهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخرج، ثم عاد إلى مكة، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتصل بالحجاج القادمين من قبائل العرب إلى مكة، ويعرض عليهم دعوته، وشاء الله تعالى أن تكون يثرب هي الناصر والمنطلق، فيلتقي بأهلها، ويتجه نظره نحوها، ويزداد اهتمامه بها، ويواصل نشر دعوته فيها، فكان هذا الإعداد والبناء الرسالي في المدينة المنورة، هو الذي مكن الرسول (صلّى الله عليه وآله) من الانتقال إليها، عندما تآمرت قريش على قتله، فهاجر (صلّى الله عليه وآله) كما هاجر إبراهيم وموسى (عليهما السلام) من قبل.. خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من مكة مستخفياً بظلام الليل، تاركاً وطنه وأحبائه وأهله، وفيهم فاطمة ابنته الحبيبة، وابن عمه علي بن أبي طالب (عليه السلام) عونه وسنده، وسيفه الضارب المقدام، وفدائيه الشجاع.. لقد ترك علياً نائماً في فراشه، وأوصاه أن يرد الأمانات التي كانت عنده ـ عند النبي ـ إلى أهلها.. ثم أمره أن يلتحق به، أن يهاجر إلى يثرب، ويصطحب معه أهل بيته.. وينفذ علي الوصية، ويشتري الركائب لحمل النسوة، ويجمع أهله وعياله، ويلتئم شمل الركب الهاشمي المهاجر بقيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فيضم الفواطم، فاطمة الزهراء بنت محمد (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة بنت أسد ابن هاشم، أم الإمام علي، ومربية رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وفاطمة بنت حمزة، والتحق بهم أيمن، وأبو واقد الليثي..
ويخرج الركب، ويستحث المهاجرون السير، ويسوق أبو واقد المطايا سوقاً حثيثاً، مخافة أن تلحق قريش بالركب.. فينظر الإمام علي (عليه السلام) إلى النسوة، ويرفق بهن، فيقول لأبي واقد: (ارفق بالنسوة يا أبا واقد).
.. ويمضي الركب عبر صحراء الجزيرة يغذ السير، ويصحر في وضح النهار، بتحد واستهانة بكبرياء قريش وغرورها.. فإنّه يستظل بسيف علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قاهر الجاهلية، ومحطم أصنامها وصلفها، خرج علي (عليه السلام) بالركب، لا كما خرج غيره من المهاجرين المستضعفين تحت جنح الظلام، أو في غفلة من رقابة قريش.. إنه خرج متحدياً لقريش، مستهيناً بخيلائها وعنتها، إنه يريد أن يضرب معنوياتها وكبرياءها بعزته الجهادية الفذة، ويضع الخطوة الأولى على طريق التحدي في مرحلة الصراع الجديدة التي بدأها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقرار الهجرة..
وتحس قريش بالجرح عميقاً في قلب كبريائها، إن ابن أبي طالب تحدى إرهابها وقوتها وطغيانها، وخرج في وضح النهار.. ماذا يعني هذا الموقف من علي؟ ولماذا يخرج بهذه العلنية بركب أهل بيت النبوة..؟
أليس هو التحدي والاستهانة بقريش ومقاومتها وتصديها؟ إنه كذلك..، لذا فقد قررت قريش إرسال ثمانية من فرسانها لقتل علي (عليه السلام)، والتعرض لركب النبوة المهاجر، فيدركون علياً (عليه السلام) والركب قرب ضجنان، ويأمر علي الرجلين الذي كانا معه أن يبتعدا بالإبل ويعقلاها، ثم تقدم هو إلى النسوة فأنزلهن، ويستقبل العصابة بسيفه.. إنه يعرف لغة الجاهلية، ووسائل إرغامها، فيخاطبها بالذي تفهم، فيواجهونه بالكلمات الجارحة: (أظننت يا غدار أنك ناج بالنسوة، أرجع، لا أباً لك، فقال علي (عليه السلام): فإن لم أفعل؟ قالوا: لترجعن راغماً، ودنوا من المطايا ليثوروها، فحال علي (عليه السلام) بينهم وبينها، فأهوى له جناح (هو مملوك لحرب ابن أمية!!) فراغ عن ضربته، وضرب جناحاً على عاتقه فقدّه نصفين، حتى دخل السيف إلى كتف فرسه، وشدّ على أصحابه، وهو على قدميه، شدة ضيغم وهو يقول:
خلوا سبيل الجاهد المجاهد***آليت لا أعبد غير الواحد
فتفرق القوم عنه، وقالوا أحبس نفسك عنا يا بن أبي طالب، فقال لهم: (إني منطلق إلى أخي وابن عمي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فمن سره أفري لحمه، وأريق دمه فليدن مني). (الحسيني، المصدر السابق، ص259)
وهكذا فرت فرسان قريش، ولحقت بها أول هزيمة عسكرية يشتبك فيها مسلم مع قريش، فهي أول معركة تتخذ طابع المواجهة القتالية المسلحة بين المؤمنين والمشركين..
ثم التفت علي المنتصر إلى صاحبيه أيمن وأبي واقد، وقال لهما: أطلقا مطاياكم.. ثم واصل السير، حتى وصل ضجنان، فنزل فيها، ثم أقام يومه وليلته، فلحقت به أم أيمن، ونفر من المستضعفين وراح ركب علي وفاطمة الظافر يستحث الخطى، وشوقه إلى لقاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أكثر سرعة وعجالة.. فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد وصل يثرب وحل بقبا، فأقام فيها ينتظر وصول علي وفاطمة، ومن صاحب الركب النبوي المهاجر، أقام بقبا وكان يقول لأبي بكر الذي طلب منه الدخول إلى المدينة: (ما أنا بداخلها، حتى يقدم ابن عمي وابنتي). (المصدر السابق، ص258)
ويواصل علي سيره ليلاً، ويكمن نهاراً يواصل السير على قدميه، من دون أن يركب ظهراً، أو يستخدم دابة، فيطوى الأرض ما بين مكة والمدينة على قدميه (المسافة بين مكة والمدينة حوالي: 450 كم)، حتى تفطرت قدماه وتورمتا من شدة السير، ويصل الركب قبا، ويسر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسلامة الوصول، ولقاء الأحبة، ثم يقول: (أدع لي علياً، قيل: لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبي (صلّى الله عليه وآله) واعتنقه وبكى، رحمة به، لما بقدميه من الورم، وتفل في يديه، وأمرّهما على قدميه، فلم يشتكيهما بعد حتى قتل). (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2، ص206)
لقد عظم هذا الموقف في نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما كان عظيماً عند الله سبحانه، فاستحق أن يخلد، وأن يكون نموذجاً وقدوة جهادية وعقائدية لأجيال المسلمين.
ومن هنا جاء تخليد الوحي له، ونزول القرآن فيه وصفاً وتعظيماً (.. فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل عمران: 195). (العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج4، ص91، ط3)
إنه فك ارتباطه بالأرض، وهاجر إلى الله تعالى.. إنه قطع صلته بالديار وسار نحو الله تعالى.. إنه أعرض عن الأهل والعشيرة في أشد ظروف المحنة، وتجرد لتحمل الأذى والمشاق، والتعب والعناء في سبيل الله تعالى.. واستجابة لله تعالى وطلباً لمرضاته.. وطاعة لرسوله (صلّى الله عليه وآله).
يتبع .,.,