المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)


الضلع المكسور
07-06-2008, 04:42 AM
السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)


1- فاطمـة الوليدة :

في ظلال أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين أحضان أمها الطاهرة، خديجة بنت خويلد ابن أسد، ولدت فاطمة الزهراء في مكة المكرمة في يوم الجمعة في العشري من شهر جمادي الآخرة. (لقد اختلف المؤرخون في سنة ميلاد فاطمة، فقال بعضهم: أنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين، وقال بعض آخر: أنها ولدت بعد البعثة بخمس سنين، وروى بعضهم: أنها ولدت بعد البعثة بسنة أو سنتين، والأرجح أنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين، لأن عمر خديجة يكون مع هذا التاريخ خمسين سنة وهو أعلى سنة للولادة كما نقل الفقيه الشهيد السيد محمد باقر الصدر في رسالته الفقهية (الفتاوى الواضحة) ص138، ج1، ط2(السيد محسن الأمين، المجالس السنية، ج5، ص53، ط6)).

فاستقبل رسول الله ابنته الحبيبة بالفرح والرضا وسماها (فاطمة).. لقد أثمرت شجرة النبوة، وأذن الله لدوحة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أن تمتد فروعها، وتستطيل آفاقها بميلاد فاطمة في أجيال هذه الأمة.

لقد ولدت فاطمة، وهي تحمل روح رسول الله، وصفاته، وأخلاقه، فكانت الوارث والشبيه، إذ لم يكن في الدنيا أحد يماثل رسول الله في صفته وشمائله كفاطمة، ولقد لفتت هذه العلاقة والرابطة بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابنته فاطمة أنظار الذين عايشوها، فتحدثوا عن ذلك الشبه، وكرروا القول فيه، فهذه زوج رسول الله أم المؤمنين عائشة تتحدث عن هذه العلاقة والرابطة الجسدية والروحية والأخلاقية بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابنته فاطمة فتقول: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً، ودلاً وهديا برسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قيامها، وقعودها، من فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)...). (السيد مرتضى الحسيني الفيروز آبادي، فضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج3، ص127، ط3)

وروت عائشة أيضاً: (ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله...). (المصدر نفسه، عن مستدرك الصحيحين ج3، ص154)

لقد ملأت فاطمة بيت الأبوين رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وزوجته خديجة بالبهجة والسرور، فهي ملتقى الحب بينهما، وثمرة العلاقة الودية في حياتهما، وفرع النبوة الشامخ، وظله المستطيل، ومستودع نور النبوة المتقلب في أصلاب الساجدين، فحق لهذا البيت أن يزهو بمناغاة فاطمة، ويمتلئ سروراً بابتساماتها المشرقة الوليدة.

2- فاطمـة البنت ( ع ) :

وهكذا ولدت فاطمة، ودرجت في بيت النبوة، وترعرعت في ظلال الوحي، ورضعت مع لبن خديجة، حب الإيمان، ومكارم الأخلاق.. وحنان الأب الرسول (صلّى الله عليه وآله) والأم، أم المؤمنين الطاهرة، وهكذا عاشت فاطمة في ظلال هذا الجو الروحي، والسمو العائلي، وتشبعت روحها بالحنان النبوي الكريم.

وشاء الله تعالى أن تبدأ فاطمة طفولتها الطاهرة، في مرحلة من أشد مراحل الدعوة الإسلامية ضراوة ومحنة، وأكثرها قسوة وأذى لأمها وأبيها..

لقد ولدت فاطمة في حدة الصراع بين الإسلام والجاهلية، وفتحت عينيها في ضراوة الجهاد بين الطليعة المؤمنة، وقريش الوثنية الجائرة.. وهاهي قريش تفرض المقاطعة والحصار على رسول الله، وأعمامه بني هاشم، وأصحابه من الدعاة وطلائع الجهاد، فيدخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شعب أبي طالب، وتدخل معه زوجته المجاهدة رفيقة حياته، وشريكته في جهاده وتدخل معهم فاطمة، وتحاصرهم قريش ثلاث سنين، في هذا الشعب، ذاق (صلّى الله عليه وآله) ومن معه فيه شظف العيش، وقساوة المقاطعة، ومرارة الجوع والحرمان، دفاعاً عن الحق وتضحية من أجل المبدأ، وكانت بداية هذا الحصار في السنة السابعة بعد البعثة النبوية..، وبذا عاشت الزهراء الحصار، وذاقت في طفولتها مرارة الجهاد، وألم الكفاح..

وتمر سنين الحصار، صعبة ثقيلة، ويخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن معه من الحصار والمقاطعة، وقد كتب الله تعالى لهم النصر والغلبة، وتخرج خديجة وقد أثقلتها السنون، وأرهقها عناء الحصار والحرمان.. وهاهي قد بلغت الخامسة والستين من عمرها الجهادي المشرق، وحياتها المثالية الفريدة في دنيا المرأة.. لقد قرب أجل خديجة.. وشاء الله تعالى أن يختارها لجواره.. فتتوفى في ذلك العام، الذي خرج فيه المسلمون من الحصار، وكان العام العاشر من البعثة..

وتوفي في العام ذاته أبو طالب عم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وحامي الدعوة الإسلامية، وناصر الإسلام، ولقد شعر رسول الله بالحزن والأسى.. وأحس بالفراق والوحشة.. أنه فقد الحبيب والعون والمواسي، فقد خديجة، زوجته، وحبيبته وعونه، وفقد عمه، الحامي والمدافع عنه.. فسمى ذلك العام بعام الحزن، حقاً إنه عام الأحزان.. عام فقد فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحب الناس إلى قلبه، وأكثرهم عطفاً عليه..

وليس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحده هو الذي رزئ في ذلك العام، بل وفاطمة الصبية الصغيرة التي لم تشبع من حنان الأمومة، وعطف الوالدة بعد.. فقد شاطرته هذه المأساة، ورزئت هي الأخرى، فشملتها المحنة في ذلك العام الحزين.. عام الألم والمأساة، وشعرت بغمامة الحزن واليتم تخيم على حياتها الطاهرة...

لقد فقدت أمها، وفارقت مصدر حبها وحنانها.. فشعرت بالألم والفراق وغياب الأم يملأ قلبها، ويحز في نفسها، فتسأل أباها بلهفة وحزن: (أبي، أبي، أين أمي، أين أمي؟!) ثم تفيض الحزن دموعاً.. والفراق حسرة.

ويحس الأب الرسول (صلّى الله عليه وآله) بوطأة الحزن على نفس فاطمة (عليها السلام)، ويرى دموع الفراق تتسابق على خديها، فيرق القلب الرحيم، وتفيض مشاعر الود والأبوة الصادقة، فيحنو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على فاطمة، يعوضها من حبه وحنانه ما فقدته في أمها، من حب ورعاية وحنان..

لقد أحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة وأحبته، وحنا عليها، وحنت عليه، فلم يكن أحد أحب إلى قلبه ولا إنسان أقرب إلى نفسه من فاطمة.. لقد أحبها وصاغ حبه لها، وقربها منه؛ أوسمة شرف، وعبارات خلود، فكان يؤكد كلما وجد ذلك ضرورياً هذه العلاقة بفاطمة، ويوضح مقامها ومكانتها في أمته، وهو يمهد لأمر عظيم، وقدر خطير، يرتبط بفاطمة، وبالذرية الطاهرة التي أعقبتها فاطمة، وبالأمة الإسلامية كلها.. كان يؤكد ذلك ليعرف المسلمون مقام فاطمة، ومكانة الأئمة من ذريتها، ليعطوا فاطمة حقها، ويحفظوا لها مكانتها، ويرعوا الذرية الطاهرة حق رعايتها..

فها هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعرّف فاطمة، ويؤكد للمسلمين: (فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني) (الفيروز آبادي، المصدر السابق، ج3، ص151)

(إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها). (المصدر نفسه)

ويسأل الإمام علي (عليه السلام) رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيقول: (يا رسول الله أي أهلك أحب إليك، قال: فاطمة بنت محمد..).

إن قولة الرسول (صلّى الله عليه وآله) هذه ليست عاطفية بقدر ما هي توجيه للأمة نحو هذه المرأة الأسوة القدوة.

وتكبر فاطمة وتشب، ويشب معها حب أبيها لها، ويزداد حنانه عليها، وتبادله فاطمة هذا الحب، وتملأ قلبه بالعطف والرعاية فيسميها (أم أبيها).

لقد كانت تحنو عليه (صلّى الله عليه وآله) حنو الأمهات على أبنائهن، وترعاه رعاية الوالدات لصغارهن.

انه النموذج القدوة من العلاقة الأبوية الطاهرة التي تساهم في بناء شخصية الأبناء، وتوجه سلوكهم وحياتهم، وتملأ نفوسهم بالحب والحنان، لقد كانت هذه العلاقة هي المثل الأعلى في رعاية الإسلام للفتاة والعناية بها، وتحديد مكانتها.

3- فاطمـة المهاجرة ( ع ) :


الجاهلية في كل عصر وجيل، مرض فكري وأخلاقي، يعبث بعقل الإنسان، ووعيه ونفسه، فيصده عن الحق، ويحرفه عن الاستقامة، وحبب له العيش في مستنقع الرذيلة، والتحرك في صحارى التيه والظلام، لذلك فهو يعشو عن دعوة الحق، ويصم أذنيه عن سماع الهدى..

وهكذا كانت قريش.. ولذا سعت وبكل جهدها لتتخلص من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فائتمر قادة الجاهلية، وأئمة الشرك، وقرروا قتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والتخلص منه، بعد أن يئسوا من إخماد صوته، وإطفاء أنوار دعوته..

وشاء الله تعالى غير ذلك.. شاء الله تعالى أن يتم نوره، وينصر نبيه (صلّى الله عليه وآله)، ويظهر دعوته، فأمره بالهجرة.. والانتقال من أرض مكة إلى يثرب.. ولم يكن الانتقال من مكة والبحث عن أرض جديدة حادثاً أولدته مؤامرة القتل، بل كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يمهد لذلك، ويبحث عن منطلق آخر لنشر دعوته، وبناء مجتمع الرسالة، فكان من قبل قد ذهب إلى الطائف، ولم يحظ أهلها ـ ثقيف ـ بنصرته، والاستجابة لدعوته، فردوه، ورفضوا تصديقه، وأساءوا إليه، وأمروا عبيدهم وسفهاءهم أن يرموه بالحجارة، فأخرجوه بالسخرية والأذى من قريتهم، فتركهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخرج، ثم عاد إلى مكة، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتصل بالحجاج القادمين من قبائل العرب إلى مكة، ويعرض عليهم دعوته، وشاء الله تعالى أن تكون يثرب هي الناصر والمنطلق، فيلتقي بأهلها، ويتجه نظره نحوها، ويزداد اهتمامه بها، ويواصل نشر دعوته فيها، فكان هذا الإعداد والبناء الرسالي في المدينة المنورة، هو الذي مكن الرسول (صلّى الله عليه وآله) من الانتقال إليها، عندما تآمرت قريش على قتله، فهاجر (صلّى الله عليه وآله) كما هاجر إبراهيم وموسى (عليهما السلام) من قبل.. خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من مكة مستخفياً بظلام الليل، تاركاً وطنه وأحبائه وأهله، وفيهم فاطمة ابنته الحبيبة، وابن عمه علي بن أبي طالب (عليه السلام) عونه وسنده، وسيفه الضارب المقدام، وفدائيه الشجاع.. لقد ترك علياً نائماً في فراشه، وأوصاه أن يرد الأمانات التي كانت عنده ـ عند النبي ـ إلى أهلها.. ثم أمره أن يلتحق به، أن يهاجر إلى يثرب، ويصطحب معه أهل بيته.. وينفذ علي الوصية، ويشتري الركائب لحمل النسوة، ويجمع أهله وعياله، ويلتئم شمل الركب الهاشمي المهاجر بقيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فيضم الفواطم، فاطمة الزهراء بنت محمد (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة بنت أسد ابن هاشم، أم الإمام علي، ومربية رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وفاطمة بنت حمزة، والتحق بهم أيمن، وأبو واقد الليثي..

ويخرج الركب، ويستحث المهاجرون السير، ويسوق أبو واقد المطايا سوقاً حثيثاً، مخافة أن تلحق قريش بالركب.. فينظر الإمام علي (عليه السلام) إلى النسوة، ويرفق بهن، فيقول لأبي واقد: (ارفق بالنسوة يا أبا واقد).

.. ويمضي الركب عبر صحراء الجزيرة يغذ السير، ويصحر في وضح النهار، بتحد واستهانة بكبرياء قريش وغرورها.. فإنّه يستظل بسيف علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قاهر الجاهلية، ومحطم أصنامها وصلفها، خرج علي (عليه السلام) بالركب، لا كما خرج غيره من المهاجرين المستضعفين تحت جنح الظلام، أو في غفلة من رقابة قريش.. إنه خرج متحدياً لقريش، مستهيناً بخيلائها وعنتها، إنه يريد أن يضرب معنوياتها وكبرياءها بعزته الجهادية الفذة، ويضع الخطوة الأولى على طريق التحدي في مرحلة الصراع الجديدة التي بدأها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقرار الهجرة..

وتحس قريش بالجرح عميقاً في قلب كبريائها، إن ابن أبي طالب تحدى إرهابها وقوتها وطغيانها، وخرج في وضح النهار.. ماذا يعني هذا الموقف من علي؟ ولماذا يخرج بهذه العلنية بركب أهل بيت النبوة..؟

أليس هو التحدي والاستهانة بقريش ومقاومتها وتصديها؟ إنه كذلك..، لذا فقد قررت قريش إرسال ثمانية من فرسانها لقتل علي (عليه السلام)، والتعرض لركب النبوة المهاجر، فيدركون علياً (عليه السلام) والركب قرب ضجنان، ويأمر علي الرجلين الذي كانا معه أن يبتعدا بالإبل ويعقلاها، ثم تقدم هو إلى النسوة فأنزلهن، ويستقبل العصابة بسيفه.. إنه يعرف لغة الجاهلية، ووسائل إرغامها، فيخاطبها بالذي تفهم، فيواجهونه بالكلمات الجارحة: (أظننت يا غدار أنك ناج بالنسوة، أرجع، لا أباً لك، فقال علي (عليه السلام): فإن لم أفعل؟ قالوا: لترجعن راغماً، ودنوا من المطايا ليثوروها، فحال علي (عليه السلام) بينهم وبينها، فأهوى له جناح (هو مملوك لحرب ابن أمية!!) فراغ عن ضربته، وضرب جناحاً على عاتقه فقدّه نصفين، حتى دخل السيف إلى كتف فرسه، وشدّ على أصحابه، وهو على قدميه، شدة ضيغم وهو يقول:

خلوا سبيل الجاهد المجاهد***آليت لا أعبد غير الواحد

فتفرق القوم عنه، وقالوا أحبس نفسك عنا يا بن أبي طالب، فقال لهم: (إني منطلق إلى أخي وابن عمي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فمن سره أفري لحمه، وأريق دمه فليدن مني). (الحسيني، المصدر السابق، ص259)

وهكذا فرت فرسان قريش، ولحقت بها أول هزيمة عسكرية يشتبك فيها مسلم مع قريش، فهي أول معركة تتخذ طابع المواجهة القتالية المسلحة بين المؤمنين والمشركين..

ثم التفت علي المنتصر إلى صاحبيه أيمن وأبي واقد، وقال لهما: أطلقا مطاياكم.. ثم واصل السير، حتى وصل ضجنان، فنزل فيها، ثم أقام يومه وليلته، فلحقت به أم أيمن، ونفر من المستضعفين وراح ركب علي وفاطمة الظافر يستحث الخطى، وشوقه إلى لقاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أكثر سرعة وعجالة.. فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد وصل يثرب وحل بقبا، فأقام فيها ينتظر وصول علي وفاطمة، ومن صاحب الركب النبوي المهاجر، أقام بقبا وكان يقول لأبي بكر الذي طلب منه الدخول إلى المدينة: (ما أنا بداخلها، حتى يقدم ابن عمي وابنتي). (المصدر السابق، ص258)

ويواصل علي سيره ليلاً، ويكمن نهاراً يواصل السير على قدميه، من دون أن يركب ظهراً، أو يستخدم دابة، فيطوى الأرض ما بين مكة والمدينة على قدميه (المسافة بين مكة والمدينة حوالي: 450 كم)، حتى تفطرت قدماه وتورمتا من شدة السير، ويصل الركب قبا، ويسر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسلامة الوصول، ولقاء الأحبة، ثم يقول: (أدع لي علياً، قيل: لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبي (صلّى الله عليه وآله) واعتنقه وبكى، رحمة به، لما بقدميه من الورم، وتفل في يديه، وأمرّهما على قدميه، فلم يشتكيهما بعد حتى قتل). (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2، ص206)

لقد عظم هذا الموقف في نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما كان عظيماً عند الله سبحانه، فاستحق أن يخلد، وأن يكون نموذجاً وقدوة جهادية وعقائدية لأجيال المسلمين.

ومن هنا جاء تخليد الوحي له، ونزول القرآن فيه وصفاً وتعظيماً (.. فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل عمران: 195). (العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج4، ص91، ط3)

إنه فك ارتباطه بالأرض، وهاجر إلى الله تعالى.. إنه قطع صلته بالديار وسار نحو الله تعالى.. إنه أعرض عن الأهل والعشيرة في أشد ظروف المحنة، وتجرد لتحمل الأذى والمشاق، والتعب والعناء في سبيل الله تعالى.. واستجابة لله تعالى وطلباً لمرضاته.. وطاعة لرسوله (صلّى الله عليه وآله).

يتبع .,.,

الحر2002
07-06-2008, 04:22 PM
اخي الضلع المكسووور..

السلام عليك يامظومه ..السلام عليك ياسيدتي مولاتي
السلام عليك يامكسوووورة الظلع ومصقوطة الجنين..

احسنت .ان شاء الله في ميزان حسناتك ..


رحم الله ولديك ..وقضى كل حوائجك ..


يعطيك الف عافيه على جهودك الفعاله ..


نننتظر ابداعك وجديدك القادم ..


دمت يود..
::الحــــــــــــــــــــــــ2002ـــــــــــــــــ ــــــــــر::

شوق المدينة
07-06-2008, 04:48 PM
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم
السلام عليك يامولاتي يافاطمة الزهراء
يسلمــــــــــــــــــــووو
يعطيك ربي الف عافيه
وحشرك ربي مع محمد وال محمد

تحيـــــ شـــــــوق ــــــــــاتي

الضلع المكسور
07-06-2008, 06:41 PM
علي يخطب فاطمة ..

.. وتحل فاطمة بدار هجرتها، وتنظم إلى بيت أبيها المتواضع في أرض الإسلام الجديدة، فتنعم بعنايته وحبه هناك.. ذلك الحب، وتلك الرعاية التي لم يحظ بها أحد من الناس سواها، حتى أن زوجة أبيها عائشة كانت تتحدث عن هذه العلاقة الأبوية الفريدة في دنيا الإنسان فتقول: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً وحديثاً برسول الله في قيامه وقعوده من فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قالت : وكانت إذا دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قام إليها، فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) إذا دخل عليها، قامت من مجلسها، فقبلته وأجلسته في مجلسها). (الطبري ص40)

وهاهي فاطمة الشابة النضرة، ذات الشرف والجمال والمجد الرفيع، تعيش في كنف أبيها، فتتجه الأنظار إليها، ويحدّث بعض الصحابة نفسه بأن يحظى بالاقتران بها، وينال شرف الانتساب إلى أبيها، فهي أعظم امرأة في شرفها ودينها ومكانتها عند بارئها، فهذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الناطق بلسان الوحي يخاطبها ويقول: (يا فاطمة إن الله عز وجل يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك). (المصدر السابق ص39)

ويحدثها في مقام آخر، فيخبرها: بأنها سيدة النساء وخيرتهن: (... أما ترضى أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة). (المصدر السابق ص40)

ويخاطب المسلمين في مقام آخر، معرّفاً بفاطمة، ومخبراً عنها، فيقول: (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (صلّى الله عليه وآله)، ومريم بنت عمران، وآسيا بنت مزاحم ـ امرأة فرعون ـ). (المصدر السابق ص42)

فإذا كانت هذه فاطمة، وهذا مقامها عند بارئها، وتلك مكانتها في بيت النبوة، فمن لا يحب شرف الاقتران بها من كبار الصحابة، ووجهاء المسلمين، والقوم بمصاهرة أبيها.. لذا فقد اتجهت أنظار البعض منهم إلى فاطمة فحدث نفسه بالمثول بين يدي أبيها، وإعلان رغبته في التزوج بها.. فيقدم على ذلك أبو بكر وعمر بن الخطاب، وغيرهما من أكابر قريش. فيخطب كل واحد منهم فاطمة لنفسه، ولكن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعتذر عن الاستجابة لطلبهم ويقول: (لم ينزل القضاء بعد). (المصدر السابق ص30)

وحين اعتذر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن تزويج فاطمة، لعمر أو لأبي بكر اتجها إلى الإمام علي (عليه السلام) وهو يسقي في بستان نخل، فقالا: قد عرفنا قرابتك من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقدمك في الإسلام، فلو أتيت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فخطبت إليه فاطمة لزادك الله فضلاً إلى فضلك، وشرفاً إلى شرفك، فإنا نرجو أن يكون الله ورسوله إنما يحبسانها عليك.. فانطلق فتوضأ ثم اغتسل ولبس كساءه، وصلى ركعتين، ولبس نعليه، وأقبل إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وكان في منزل أم سلمة، فسلم عليه، فرد عليه السلام، وجلس بين يديه، ينظر إلى الأرض، فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله)، أتيت لحاجة؟ قال: نعم، أتيتك خاطباً ابنتك فاطمة، فهل أنت مزوجي يا رسول الله؟ قالت أم سلمة: فرأيت وجه رسول الله يتهلل فرحاً وسروراً، ثم يبتسم في وجه علي، ودخل على فاطمة فقال لها: إن علي بن أبي طالب من قد عرفت قرابته، وفضله في الإسلام، وإني سألت ربي أن يزوجك خير خلقه، وأحبهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئاً، فما ترين؟ فسكتت، فخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو يقول: الله أكبر سكوتها إقرارها، فقال: يا علي هل معك شيء أزوجك به؟ قال: سيفي ودرعي وناضحي - الجمل الذي يستعمل في نقل الماء للسقي، وفي رواية: فرسي - فقال: أما سيفك فلا غنى بك عنه، تجاهد به في سبيل الله، وتقاتل به أعداء الله، وناضحك تنضح به على نخلك، وتحمل عليه رحلك في سفرك، وأما درعك فشأنك بها، فانطلق علي وباع درعه، إلى عثمان بن عفان، بأربعمائة وثمانين درهماً، فصبها بين يدي النبي (صلّى الله عليه وآله). (السيد محسن الأمين المصدر السابق، ج3، ص73 و74)

وبعد أن قرت عين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بهذه الخطبة السعيدة، وزوج الله فاطمة علياً (عليه السلام).. أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يعلن لمجتمع المسلمين، ولصحابته المحيطين به هذا النبأ، فيضيف مكرمة جديدة إلى سجل علي، وفضيلة أخرى إلى فضائل فاطمة... فأمر أنس بن مالك أن يجمع فئة من الصحابة (رضي الله عنهم) ليعلن عليهم نبأ تزويج فاطمة لعلي.. قال أنس بن مالك: ثم دعاني النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد أيام فقال لي: يا أنس أخرج أدع أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن ابي وقاص، وطلحة، والزبير، وعدة من الأنصار، قال: فدعوتهم، فلما اجتمعوا عنده كلهم، وأخذوا مجالسهم، وكان علي غائباً في حاجة للنبي (صلّى الله عليه وآله) فقال النبي (صلّى الله عليه وآله):

(الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب من عذابه وسطواته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد (صلّى الله عليه وآله)، إن الله تبارك اسمه، وتعالت عظمته، جعل المصاهرة نسباً لاحقاً، وأمراً مفترضاً، أوشج به الأرحام، وألزم الأنام، فقال عز من قائل: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، ثم أن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب..).

ثم دعا بطبق من بسر (التمر قبل أن يصير رطباً) فوضعت بين أيدينا ثم قال انتهبوا فانتهبنا، فبينما نحن ننتهب إذ دخل علي (رضي الله عنه) على النبي فتبسم النبي (صلّى الله عليه وآله) في وجهه ثم قال: إن الله قد أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة - ذكرت بعض الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) أن مهر فاطمة كان (خمسمائة درهم) - مثقال فضة إن رضيت بذاك فقال: قد رضيت بذلك يا رسول الله، قال أنس بن مالك: فقال النبي: جمع الله شملكما، وأسعد جدكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيراً طيباً، قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب. (الطبري، المصدر السابق، ص30-31)

وهذا الموقف النبوي المرتبط بالمشيئة والوحي، والأمر الإلهي، يلفت أنظارنا، ويستوقف خطانا، ويلقي سؤالاً هاماً وخطيراً علينا، وهو:

لماذا لم يرخص لفاطمة بتزويج نفسها..؟ بل، ولِمَ لَمْ يرخص لرسول الله، وهو أبوها ونبيها بتزويجها، والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، إلا بعد أن نزل القضاء بذلك.

ولماذا خصّ زواج فاطمة بهذه الميزة..؟ فلابد إذن أن يكون هناك سر وحكمة إلهية، ترتبط بهذا الزواج، وتتوقف على هذه العلاقة الإنسانية الخطيرة ـ علاقة فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بابن عمه وأخيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما كان يسميه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نفسه، وهو الذي تربى في بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعاش معه، وشب في ظلال الوحي، ونَمى في مدرسة النبوة حتى حق له أن يصف هذه العلاقة بقوله: (وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل). (الإمام علي، نهج البلاغة، تنظيم د. صبحي الصالح، ص300، طب1)

(... ولقد كنت أتبعه، اتباع الفصيل أثر أمة، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة...). (نفس المصدر)

إن هذا السر والإعداد لم يكن غامضاً، وهذه العناية لم تكن مجرد علاقة رحم وقرابة، فالأمر ذو علاقة بحياة هذه الأمة، والعلاقة ترتبط بامتداد فرع النبوة، والإمامة، فشاء الله أن يزوج خيرة نساء هذه الأمة ـ بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ بخيرة رجالها.

فعلي هو الذي قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيه لفاطمة: (إني سألت ربي أن يزوجك خير خلقه).. وقال له: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). (الطبري، المصدر السابق، ص63)

وفاطمة هي التي قال لها: (أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين) وبذا كانا أحب الناس لرسول الله وأقربهم إلى نفسه.

سئلت عائشة: أي الناس أحب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قالت: فاطمة، قيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، أن كان ما علمت صوّاماً قوّاماً. (المصدر السابق، ص62، أخرجه الترمذي)

وينعقد الزواج، ويبنى بيت أهل بيت النبوة، ويرعاه رسول الله، ويعرّف به، ويؤكد أن علياً وفاطمة وذريتهما هم أهل بيته، ومن علي وفاطمة ذريته وأبناؤه وعصبته.

روى ابن عباس قال: كنت أنا والعباس جالسين عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ دخل علي بن أبي طالب فسلم فرد عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) السلام، وقام إليه وعانقه وقبّله بين عينيه وأجلسه عن يمينه، فقال العباس: يا رسول الله أتحب هذا؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (يا عم والله، لله أشد حباً له مني، إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وجعل ذريتي في صلب هذا). (المصدر السابق ص67)

وهكذا شاء الله أن تمتدّ ذرية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن طريق علي وفاطمة، ويكون منهما الحسن والحسين (عليهما السلام) والذرية الطاهرة أئمة وهداة لهذه الأمة.. ولهذا الأمر والسر الخطير كان زواج فاطمة أمراً إلهياً لم يسبق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إليه، ولم يتصرف حتى نزل القضاء، كما صرح هو نفسه (صلّى الله عليه وآله) بذلك.

يتبع ..

الضلع المكسور
07-07-2008, 07:14 PM
الزواج الفريد :



وينطلق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعقد القران والبِشر يغمر قلبه:

(... إن الله أمرني أن أزوجكَ فاطمة على أربعمائة مثقال فضة إن رضيتَ بذاك، فقال علي: قد رضيت بذلك يا رسول الله...).

وهكذا نزل القضاء وتطابقت الإرادات، وتم عقد القران، وزوّج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة من علي، والسرور يطفح على وجهه، والسعادة تملأ نفسه.. ويستقبل الإمام علي (عليه السلام) هذه الهدية الربانية بالشكر والثناء، فيسجد لله شاكراً حين يخبره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بتزويجه فاطمة (عليها السلام).

لقد تم زواج علي من فاطمة في السنة الثانية للهجرة.. وكان عمرها كما في بعض الروايات خمسة عشرة سنة، وفي بعضها الآخر عمرها عشر سنوات، وفي بعضها ثمانية عشرة سنة.

ويسمى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مهر فاطمة (أربعمائة مثقال فضة) أو خمسمائة درهم كما جاء في بعض الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) وفي روايات أخرى (480) درهماً.

إنه مهر مثالي متواضع ينمّ عن عظمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة، ويثبّت مبدأً إسلامياً للمرأة المسلمة، ويعطي درساً عملياً لحل أخطر مشكلة اجتماعية يواجهها الإنسان في عملية الزواج، وهي مشكلة غلاء المهور، والتباهي بضخامتها.. فهذه فاطمة خيرة النساء، وبنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، تتزوج علياً لدينه وإخلاصه ومبادئه، لا للمال والثروة وعرض الحياة الدنيا، وتقترن به بمهر زهيد متواضع يحطم قيمة المادة. ويلغي دورها الخدّاع في مشروع الزواج والاقتران الروحي النبيل، ويحمل القيم والمعاني الإنسانية بدلاً منها..

فالزواج في عرف الإسلام عملية اقتران روحي ونفسي، ورابطة إنسانية تتعالى على المادة، ووسائل الحياة التافهة الرخيصة.. وهذه فاطمة تضرب المثل الأعلى في موقفها فتكتب درساً بليغاً للمرأة المسلمة.. لذا خلّد موقفها.. وعظم شأنها، فقد ذهبت قرون، وفنيت كنوز الذهب والفضة، وبادت أثاث الديباج والحرير، ودرست قصور الرخام والزخارف العاج والفسيفساء، وخبا لمعان الجواهر والدرر، وبلت أطواق اللؤلؤ والجواهر، وعظمة علي باقية، ومجد الزهراء يعلو فوق كل مجد.. وحديث زواجها أنشودة عذبة وذكرى عطرة على كل فم، وحياتها مع زوجها مدرسة ورسالة تعلم الأجيال، وترسم طريق الحياة العائلية السعيدة..

لقد زوج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة بمهر متواضع وأثث بيتها بما يعادل هذا المهر، لتعرف الأجيال فناء المادة، وتصاغر شأنها أمام القيم والمعاني الإنسانية الرفيعة..

تسلم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دراهم المهر الزهيد من علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأشرف بنفسه على تجهيز ابنته وإعداد بيتها المتواضع، في أثاثه ومحتواه.. العظيم، في مجده ومقامه..

فقبض منها قبضة فأعطاها بلال، وقال ابتع لفاطمة طيباً، ثم قبض منها بكلتي يديه، فأعطاه أبا بكر وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، وأردفه بعمّار، وعدة من أصحابه، فكانوا يعرضون الشيء على أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه، وقبض قبضة كانت ثلاث وستين، أو ستة وستين فأعطاها أم أيمن لمتاع، ودفع باقي ثمن الدرع إلى أم سلمة، وقال أبقيه عندك.

وهكذا أرسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى السوق عدة من أصحابه لإعداد جهاز فاطمة، وشراء ما يحتاجه بيتها الجديد.. وهو: قميص بسبعة دراهم، وخمار بأربعة دراهم، وقطيفة سوداء خيبرية، وسرير مزمل بشريط ـ أي ملفوف بالشريط ـ وفراشان من خيش مصر حشو أحدهما ليف، وحشو الآخر من صوف الغنم، وأربعة مرافق من أدم الطائف حشوها من أذخر (مرافق: جمع مرفقة، وهي ما يتكأ عليه، والأدم: هو الجلد، والأذخر: نبات طيب الرائحة) وستر رقيق من صوف، وحصير هجري، ورحى لليد، ومخضب (إناء لغسل الثياب) من نحاس، وسقاء من أدم، وقعب للبن وشن للماء، ومطهرة مزفتة، وجرة خضراء، وكيزان خزف، وقطع من أدم، وعباءة قطوانية، وقربة ماء. (الأمين، المصدر السابق، ج2، ص77-78)

وراح علي من جانبه يهيئ البيت، ويعده أبسط إعداد، وأيسر تهيئة، فقد نشر أرض البيت بالرمل اللين، ونصب خشبة من حائط إلى حائط لتوضع عليها الثياب، وبسط إهاب (جلد) كبش، ومخدة ليف في بيت فاطمة الجديد.. لقد هيأ علي البيت، وراح ينتظر قدوم فاطمة وحلول الزهراء.. ويمضي تسع وعشرون يوماً ، أو شهر، ولم تنتقل فاطمة إلى بيتها الجديد بعد.. ويحول الحياء بين علي وبين الإفصاح لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن رغبته.. فيصحبه أخوه عقيل ويتوجها إلى بيت رسول الله فيلقيان أم أيمن ـ مولاة رسول الله ـ ويحدثانها برغبة علي، فتذهب إلى أم سلمة زوجة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وتعرض عليها الأمر، وتخبر بقية نساء النبي (صلّى الله عليه وآله)، فيجتمعن ويذهبن إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ويخبرنه برغبة علي، فيجيب الرسول (صلّى الله عليه وآله) طلب علي..

ويزداد اهتمام الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعنايته بفاطمة ليعوّضها غياب أمها الحنون خديجة، في مناسبة يكون للأم شأن خاص فيها فيساهم هو بنفسه بزفاف فاطمة، ويطلب من أزواجه إعداد فاطمة وتهيئتها كما تعد الفتيات ليلة الزواج ويستجبن لأمر الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وتُعدّ فاطمة (عليها السلام).. ويدعو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لإقامة الوليمة، وإعلان الزواج، ويولم علي الوليمة، ويساهم الأنصار والمهاجرون نبيهم أفراحه بزواج ابنته من ابن عمه وأحب الناس إليه.

وهكذا تم الزواج واكتمل بناء البيت الجديد، وأرسى رسول الله قواعده الشامخة، فأرسى معه تشريعاً وحياةً وفلسفةً للزواج والأسرة وقيمةً للمرأة في رسالته الإنسانية الخالدة، كي تكون طريقاً، وسنةً للمقتدين بمنهجه وسنته في الحياة..

فقد كان يجسد طيلة حياة فاطمة معه مبادئ رسالته، وقيم شريعته، التي تشخص موقع المرأة، وقيمتها وحقها في الحياة.. فقد كان الأب الرسول يحب الطفلة الصغيرة، ويملأ قلبها بحبه، ويحنو عليها ويقبلها، ثم يتولى أمر زواجها وشؤون تجهيزها وزفافها ووليمة عرسها.. أي عناية هذه التي يعتنيها نبي الإسلام بالمرأة، وأي مكانة للأسرة والمرأة والزواج في شريعة الإنسانية الخالدة.

إنها الدروس والعبر, والمثل الرائدة للمجتمع، والمنهج السلوكي لبناء الأسرة المسلمة وتكوين الجيل الصالح..

إنها التطبيقات العملية للعلاقات الاجتماعية والروابط العائلية والمواقف السلوكية التي أمر بها الله تعالى وجسّدها، بعد أن دعا إليها، رسوله الكريم (صلّى الله عليه وآله).


يتبع .,,

الضلع المكسور
07-09-2008, 04:28 AM
فاطمة الأم :

يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وجعل ذريتي في صلب هذا ـ يعني علياً ـ . (الطبري، المصدر السابق، ص67)

وتثمر شجرة النبوة، وتلد فاطمة الحسن ثم الحسين (عليهما السلام) فيستقبلهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كاستقباله لميلاد فاطمة، ويسميهما حسناً وحسيناً.. ويحتلان من نفسه موقع الولد الحبيب من قلب أبيه الحنون، وتبدأ هذه العلاقة الأبوية والروحية بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وبين الحسن والحسين من يوم الميلاد، فهي علاقة النبوة بالإمامة، وعلاقة حفظ الشريعة وقيادة الأمة ـ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ بالتبليغ والرسالة، فكانت هذه العلاقة علاقة نسب وروح ومبدأ وهدف؛ لذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحتضن الحسن والحسين ابنا فاطمة ويقول:

كل ولد أب فإنّ عصبتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم. أخرجه أحمد في المناقب ـ. (الطبري، المصدر السابق، ص121)

ولقد كان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما أراد، فقد ترك ولداه الإمامان الحسن والحسين (ولد الإمام الحسن في ليلة النصف من رمضان المبارك في السنة الثالثة من الهجرة. وولد الحسين في الخامس أو الثالث من شعبان في السنة الرابعة من الهجرة) أثرهما البالغ على تاريخ هذه الأمة، وقيادة روح اليقظة، وتجديد شباب الإسلام بالمعارضة، والشهادة والدم الطاهر المعطاء، في حياتهما، وبعد مماتهما.

فقد امتدت روح الحسين الشهيد ثورة عارمة في ضمير الأمة الإسلامية، وقوة محركة لركودها واستكانتها، وكانت ذرية الحسن والحسين, أحفادهم وأنصارهم فيما بعد طاقة ديناميكية محركة في تاريخ هذه الأمة، وقوة دافعة فيه، فكانوا منطلق الثورة والمعارضة لكل ظلم وطغيان على امتداد تاريخ هذه الأمة.. وهذا بعض ما كان يستهدفه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من عنايته بالحسنين، وتأكيد أبوته لهما، والاعلان عن حبه وعطفه عليهما..

فقد ورد عنه (صلّى الله عليه وآله) قوله:

(هذان ابناي من أحبهما فقد أحبني). (المصدر السابق ص121)

(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة). (المصدر السابق ص129)

(ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا). (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، تفسير سورة آل عمران: 61)

وشهد المسلمون حب رسول الله للحسن والحسين وعنايته بتربيتهما والحث على حبهما والتمسك بهما.. فعرفوا مقامهما، وخبروا مكانتهما من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)..

ثم ولدت فاطمة بعد الحسين (عليه السلام): زينب الكبرى - جاء في بعض الروايات أن فاطمة ولدت بعد الحسن محسناً فمات صغيراً، وجاء في بعضها أنه أسقط جنينا.. كما ذكر بعض المؤرخين أن فاطمة (عليها السلام) كان لها بنت ثالثة أصغر من أم كلثوم اسمها رقية وقد ماتت ولم تبلغ الحلم - بطلة كربلاء، وشريكة الحسين (عليه السلام) في جهاده وبطولته.

وكانت ولادتها المباركة في اليوم السابع عشر من شهر رجب في السنة الخامسة من الهجرة النبوية، فزفت البشرى إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاتجه إلى ابنته فاطمة يشاركها فرحتها وسرورها، وأتى مهنئاً إلى بيتها، وسمى المولودة الجديدة (زينب) فحملت زينب هذا الاسم الوسام ليلمع عنواناً بارزاً في جهاد الحسين وملحمة كربلاء، ومأساة أهل البيت هناك.

ثم تحمل فاطمة بحمل آخر، فتلد بنتاً، فتكون الرابعة في أبناء فاطمة، فيسري نبأ الميلاد إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويأتي كعادته إلى فاطمة، يسرها ويهنئها، ويسمي المولودة (زينب الصغرى) ثم تلقب (بأم كلثوم).

وهكذا ولدت فاطمة أربعاً، ولم يمتد بها العمر طويلاً.. فقد وافاها الأجل، وهي لما تزل شابة غضة، في مقتل العمر، فالتحقت بأبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وبالتحاقها بعالم الخلد والنعيم، بقي أبناؤها وأكبرهم لم يجاوز السابعة من عمره صغاراً في سن الطفولة، يحدب عليهم أبوهم علي (عليه السلام) حدب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على فاطمة في صغرها وصباها، فدرجوا وشبوا وتربوا في ظلال علي (عليه السلام) الذي تربّى في ظل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونشأ على حب الإسلام والتفاني من أجله، فأثرت هذه الروح والتربية التي تلقاها الحسن والحسين واختارهما ببيت النبوة في حياتهم وتكوينهم.. فكانوا كما أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)...

وهكذا تكشف لنا السنة النبوية أن فاطمة هي قاعدة أهل بيت الرسالة، وأم الأئمة (عليها السلام)، وامتداد النبوة. تحدّث رسول الله عنها وعن زوجها وابنيها الحسن والحسين، وعن حبه لهم وارتباطه بهم.. لا ليعبر عن مشاعر القربى والنسب، أو رابطة العاطفة وعلاقة الأبوة.. فهو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لسان الوحي الذي لا ينطق عن الهوى، وهو الذي يجسد بكل كلمة وعمل يصدر عنه حكماً وتشريعاً ومفهوماً رسالياً للمسلمين، وهو داعية التوحيد، والإخلاص الذي لا يحب ولا يبغض إلا في الله والله..

فما كان قوله في علي وفاطمة والحسن والحسين أذن إلا تعبيراً عن مقامهم، ومكانتهم عند الله سبحانه، وتشخيصاً لموقعهم، ودورهم في حياة هذه الأمة وتاريخها.

فقد أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بذلك أن يكون الحسن والحسين محور توحيد الأمة، ومركز التقارب، وسبب اجتماعها من بعده.. فتجتمع أمته على حبهما وولائهما وإمامتهما، عندما يشتد الخطب، وتعصف المحن، تتحرك عناصر الفتنة والفرقة...

لقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخطط لحماية أمته من الفقرة، وحفظ مبادئه عن طريق إيجاد وتركيز قيادة ـ إمامة ـ يثبت هو حبها وولاءها، ويدعو إلى الالتزام بها، فلا يفترق عنها أحد ممن يؤمن برسالته، وينتهج نهجه، ويشعر بشعوره.

فكان هذا التخطيط، وهذا السلوك أهم ما يخلّفه قائد لأمته.. لا للحفاظ على الرسالة السماوية فحسب، بل لضمان وحدة كلمة الأمة وتحقيق تطلعاتها الرسالية.


يتبع .,